وما نزال حتى الآن نقول عن عصرنا : العصر الحديث .
والحق سبحانه يبين لنا في الحياة التي نعيشها أن الزمن متغير ، إلى أعلى في الماديات ، وإلى أدنى في المعنويات ، فكلما تقدَّم الزمن انحلَّ الناس من رِبْقة الدين وتفلَّتوا منه ؛ ذلك لأن الارتقاءات المادية ينتج عنها حضارات تستهوي النفوس وتغريها ، والنتيجة انحدار في القيم وفي الدين ، ولو أن الارتقاء كان متساوياً لسار الأمران في خطين متوازيين .
لذلك يقول تعالى : { حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً . . . } [ يونس : 24 ]
ثم إنك لو نظرتَ إلى جزئيات الحضارة في الكون تجد أن الأمم صاحبة الحضارات لم تستطع أنْ تجعل لنفسها وقاية من اندحار حضارتهم ، ولم يستطيعوا صيانتها . حتى العصور التقدمية : كنا في العصر الحجري ، ثم عصر البخار ، ونحن الآن في عصر الفضاء .
إذن : نحن مرتقون فقط في الماديات ، لكن منحدرون في المعنويات ، لكن هل هذا الارتقاء المادي جاء عن امتلاك لمعالم هدى الله في الأرض ؟ لا ، لأن الله تعالى بيِّن لنا : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ الحجر : 9 ]
فأنا الذي أنزلتُ ، وأنا الذي ضمنتُ حفظه ، فلم أتركه لكم تحفظوه ، إذن : المسألة عن عجز منا ، وإلا فكتاب البداية موجود حجة علينا .
وقوله تعالى : { يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ . . } [ السجدة : 26 ] أي : أنني لا ألقى القضايا بدون حجة أو دليل ، بل هي شاخصة أمامكم تمرون
تفسير الشعراوي — صفحة 11864
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٨٦٤