لذلك يقول تعالى مخاطباً رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أمر التكليف : { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ . . . } [ الأنعام : 151 ] فنحن نفهم أن تعالوا بمعنى تعالَ . أي : أقبل ، لكنها تحمل مع هذا المعنى معنى العلو : أقبل دانياً إلى متعالٍ ، تعالَ من أوضاعك الرضية إلى عُلُو ربك في الملأ الأعلى .
تعالَ يعني : لا تأخذ من نفسك ولا من مُسَاوٍ لك ، إنما ارتفع وخُذْ من الأعلى ، ارتفع عن مستوى الأرض وعقولهم وأفكارهم ، وخُذْ من الذي شرَّع لك ؛ لأنه لا بُدَّ أن تكون عنده أمور ومواصفات آمن لك وأسلم ؛ لأن علمه أوسع ، فلا يُشَرِّع لك اليوم ما ينقضه غداً .
ثم إنَّ شرعه لك يستوعب كل نواحي حياتك وأقضيتها ، وهذه المواصفات لا تكون إلا في الحق - تبارك وتعالى - وهو سبحانه أرحم بك من الوالدة بولدها ، فلا يُشرِّع لك إلا ما يُصلحك ، ثم هو سبحانه ليس له غرض أو مصلحة ذاتية من وراء هذا التشريع ، كما نرى في تشريعات البشر للبشر .
وقد رأينا الرأسماليين حينما شرّعوا قانوناً جاء يخدمهم ، وليكونوا هم أول المنتفعين به ؛ لذلك سرعان ما تهاوى ؛ لأن شرط المشرِّع الحق ألاَّ ينتفع هو بما يُشرِّع ، وعليه فلا مشرِّع حقٍّ إلا الله .
لذلك رأينا حتى غير المؤمنين بالله من الكافرين أو المشركين بعد أنْ تعضَّهم الأحداث ، وتخفق قوانينهم في حَلَّ مشاكلهم يلجئون إلى حلول لها من قوانين الإسلام .
ولما سُئلنا في سان فرانسيسكو عن قوله تعالى : { هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المشركون }
[ التوبة : 33 ] وفي موضع آخر { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ والله مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون } [ الصف : 8 ]
تفسير الشعراوي — صفحة 11778
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٧٧٨