بُني على الوصل ، فلا تقف إلا إذا ضاق نَفَسُك ؛ لذلك جعلوا في القرآن مواضع للوقف ، وتُرسم في المصحف ( صِلى ، قِلى ، ج ) ، لكن الأصل الوصل .
وقلنا : إن أوضح مثال على الوصل في القرآن أن كلمة الناس في آخر سورة الناس ، وهي آخر القرآن لم تأْتِ ساكنة ، إنما متحركة بالكسر ( الناسِ ) ؛ لأن الله تعالى قدَّر حلَّكَ في الناس فجعلك ترحل إلى بسم الله الرحمن الرحيم في أول الفاتحة ، فلا تقطع الصلة بين آخر القرآن وأوله ، وسمَّيْنا قارئ القرآن لذلك ( الحالّ المرتحل ) .
وهنا تأتي { ألم } [ السجدة : 1 ] بعد مفاتح الغيب الخمسة التي سبقتْ في آخر سورة لقمان ، وكأنها مُلْحقة بها ، فهي سِرٌّ استأثر الله تعالى بعلمه ، ونحن في تفسيرنا لها نحوم حولها ؛ لذَلك كل مَنْ فسَّر الحروف المقطَّعة في بدايات السور لا بُدَّ أن يقول بعدها : والله أعلم بمراده ؛ لأن تفسيراتنا كلها اجتهادات تحوم حول المعنى المراد ؛ لذلك نحن لا نقول هذه الكلمة في كل آيات القرآن ، إنما في هذه الآيات والحروف بالذات .
وكيف بنا حين يجمعنا الله تعالى إنْ شاء الله في مقعد صِدْق عند مليك مقتدر ، كيف بنا حين نسمع هذا القرآن مباشرة من الله عَزَّ وَجَلَّ ؟ لا شكَّ أننا سنسمع كلاماً كثيراً غير الذي سمعناه ، ومعاني كثيرة غير التي توصَّلنا إليها في اجتهاداتنا ، وعندها سنعرف مرادات الله تعالى في هذه الحروف ، وسنعرف كم قَصُرَتْ عقولنا عن فهمها ، وكم كنا أغبياء في فَهْمنا لمرادات ربنا .
وقوله تعالى { ألم } [ السجدة : 1 ] عادةً يأتي بعد هذه الحروف المقطعة أمر يخصُّ الكتاب العزيز .
تفسير الشعراوي — صفحة 11776
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٧٧٦