تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11003

مساهمون:

ص١١٠٠٣
ثم يمتنُّ الله تعالى بالآية المقابلة لليل ، وهي آية النهار : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة . . . } [ القصص : 72 ] يعني : دائم لا نهاية له { مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ } [ القصص : 72 ] . تلحظ أن هاتين الآيتين على نَسَق واحد ، لكن تذييلهما مختلف ، مما يدلُّ على بلاغة وإعجاز القرآن ، فلكلِّ معنىً ما يناسبه ، ففي آية الليل قال { أَفَلاَ تَسْمَعُونَ } [ القصص : 71 ] وفي آية النهار قال : { أَفلاَ تُبْصِرُونَ } [ القصص : 72 ] ذلك لأن العين لا عملَ لها في الليل إنما للأذن ، فأنت تسمع دون أنْ ترى ، وبالأذن يتمُّ الاستدعاء . أما في النهار وفي وجود الضوء ، فالعمل للعين حيث تبصر ، فهو إذن ختام حكيم للآيات يضع المعنى فيما يناسبه . ثم يُجمل الله تعالى هاتين الآيتين في قوله سبحانه : { وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ . . . } . بعد أنْ فصَّل الله تعالى القولَ في الليل والنهار كلّ على حدة جمعهما ؛ لأنهما معاً مظهر من مظاهر رحمة الله ، وفي الآية ملمح بلاغي يسمونه « اللف والنشر » ، فبعد أن جمع الله تعالى الليل والنهار أخبر عنهما بقوله : { لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ . . } [ القصص : 73 ] ثقة منه تعالى بفطْنة السامع ، وأنه سيردُّ كلاً منهما إلى ما يناسبه ، فالليل يقابل { لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ . . . } [ القصص : 73 ] ، والنهار يقابل { وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ . . . } [ القصص : 73 ] . فاللفُّ أي : جَمْع المحكوم عليه معاً في جانب والحكم في جانب آخر ، والنشرْ : ردّ كلِّ حكم إلى صاحبه .
تفسير الشعراوي — صفحة 11003 | محمد متولي الشعراوي