يعني : يا محمد ، إنْ كنتَ تعبت في الدعوة ، ولقيت من صناديد قريش عنتاً وعناداً وإيذاءً ومكراً وتبييتاً ، فنحن مع ذلك نصرناك ، وخُذْ لك أسوة في إخوانك من الرسل السابقين ، فقد تعرَّضوا لمثل ما تعرضتَ له ، فهل أسلمنا رسولنا لأعدائه ؟ إذن : اطمئن ، فلن ينال هؤلاء منك شيئاً .
ومعنى { فَجَآءُوهُم بالبينات . . . } [ الروم : 47 ] أي : الآيات الواضحات التي تثبت صدقهم في البلاغ عن الله ، ومع ذلك لم يؤمنوا وكذَّبوا { فانتقمنا مِنَ الذين أَجْرَمُواْ . . . } [ الروم : 47 ] وهنا إيجاز لأمر يُفهم من السياق ، فلم يقُل القرآن أنهم كذبوا ، إنما جاء بعاقبة التكذيب { فانتقمنا . . . } [ الروم : 47 ] .
وهذا الإيجاز واضح في قصة هدهد سليمان ، في قوله تعالى : { اذهب بِّكِتَابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فانظر مَاذَا يَرْجِعُونَ } [ النمل : 28 ] وحذف ما بين العبارتين من أحداث تُفهَم من السياق ، وهذا مظهر من مظاهر بلاغة القرآن الكريم .
وتكذيب الأمم السابقة للآيات التي جاءتهم على أيدي الرسل دليل على أنهم أهل فساد ، ويريدون أن ينتفعوا بهذا الفساد ، فشئ طبيعي أنْ يعاندوا الرسل الذين جاءوا للقضاء على هذا الفساد ، وأنْ يضطهدوهم ، فيغار الله تعالى على رسله { فانتقمنا مِنَ الذين أَجْرَمُواْ . . . } [ الروم : 47 ] .
ثم يقرر هذه القضية : { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المؤمنين } [ الروم : 47 ] وما كان الله تعالى ليرسل رسولاً ، ثم يُسلِمه لأعدائه ، أو يتخلى عنه ؛ لذلك قال سبحانه في موضع آخر : { وَلَقَدْ سَبَقَتْ
تفسير الشعراوي — صفحة 11503
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٥٠٣