تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11440

مساهمون:

ص١١٤٤٠
ثم يقول الحق سبحانه : { وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً . . . } . جميل أنْ يفرح الناس ، وأنْ يستبشروا برحمة الله ، لكن ما لهم إذا أصابتهم سيئة بما قدَّمتْ أيديهم يقنطون ؟ فمُجري الرحمة هو مُجري السيئة ، لكنهم فرحوا في الأولى لأنها نافعة في نظرهم ، وقنطوا في الأخرى ؛ لأنها غير نافعة في نظرهم ، وكان عليهم أنْ يعلموا أن هذه وتلك من الله ، وأن له سبحانه حكمةً في الرحمة وحكمةً في المصيبة أيضاً . إذن : أنتم نظرتم إلى شيء وغفلتم عن شيء ، نظرتُم إلى ما وُجِد من الرحمة وما وُجِد من المصيبة ، ولم تنظروا إلى مَنْ أوجد الرحمةَ ، ومَنْ أوجد المصيبة ، ولو ربطتم وجود الرحمة أو المصيبة بمَنْ فعلها لَعلمتُم أنه حكيم في هذه وفي تلك ، فآفة الناس أنْ يفصلوا بين الأقدار ومُقدِّرها . إذن : ينبغي ألاَّ تنظروا إلى ذات الواقع ، إنما إلى مَنْ أوقع هذا الواقع . فلو دخل عليك ولدك يبكي ؛ لأن شخصاً ضربه ، فأول شيء تبادر به : مَنْ فعل بك هذا ؟ فإنْ قال لك : فلان تقول : نعم إنه يكرهنا ويريد إيذاءنا . . الخ فإنْ قال لك : عمى ضربني فإنك تقول : لا بُدَّ أنك فعلتَ شيئاً أغضبه ، أو أخطأتَ في شيء فعاقبك عليه . إذن : لم تنظر إلى الواقع في ذاته ، إنما ربطت بينه وبين مَنْ أوقعه ، فإنْ كان من العدو فلا بُدَّ أنه يريد شراً ، وإنْ كان من الحبيب فلا بُدَّ أنه يريد بك خيراً .
تفسير الشعراوي — صفحة 11440 | محمد متولي الشعراوي