تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11351

مساهمون:

ص١١٣٥١
وربنا سبحانه حينما يخلقنا هذا الخَلْق يريد مِنَّا أنْ نستعمل هذه الصفات التي وهبها لنا ، كما يستعملها هو سبحانه ، فالله تعالى بقدرته خلق لنا ما ينفعنا ، فعليك أنت بما وهبك الله من القدرة أنْ تعمل ما ينفع ، والله بحكمته رتَّبَ الأشياء ، فعليك بما لديْك من حكمة أنْ تُرتَّب الأِشياء . . وهكذا . ونشير إلى أن القدرة تختلف ، فقدرة تفعل لك ، وقدرة عُلْيا تجعلك تفعل بنفسك ، هَبْ أنك قابلتَ رجلاً ضعيفاً لا يَقْوَى على حَمْل متاعه مثلاً ، فتحمله أنت له ، فأنت إذن عدَّيْتَ إليه أثرَ قوتك ، إنما ظلَّ هو ضعيفاً . أما الحق - تبارك وتعالى - فلا يُعدِّي أثر قوته إلى عبده فحسب ، إنما يُعدِّي له القدرة ذاتها ، فيُقوِّي الضعيف ؛ فيحمل متاعه بنفسه . إذن : أعظم تكريم للإنسان أنْ يقول الخالق سبحانه : إنني خلقتُه بيدي في قوله سبحانه لإبليس : { قَالَ يا إبليس مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ . . . } [ ص : 75 ] . ثم لك أيها الإنسان بعد هذا التكريم أنْ تكون كريماً على نفسك كما كرَّمك الله ، ولك أنْ تنزل بها إلى الحضيض ، فنفسك حيث تجعلها أنت . يقول تعالى : { لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات . . . } [ التين : 4 - 5 ] فانظر لنفسك منزلة من المنزلتين . وكلمة { مِّن تُرَابٍ . . . } [ الروم : 20 ] أي : الأصل الذي خُلِق منه آدم ، والتراب مع الماء يصير طيناً ، فإنْ تعطَّن وتغيَّرَتْ رائحته فهو حمأ