تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11347

مساهمون:

ص١١٣٤٧
المعصية ؛ لأنك قد تموت قبل أنْ تتدارك نفسَك بالتوبة . لذلك يقولون : إن الحق سبحانه حين أبهم وقت الموت بيَّنه بالإبهام غايةَ البيان ، كيف ؟ قالوا : لأنه سبحانه لو حدَّد لك موعد الموت لكنتَ تستعد له قبل أوانه ، إنما حين أبهمه جعلك تستعدّ له كل لحظة من لحظات حياتك . ثم يقول سبحانه : { وَيُحْي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا . . . } [ الروم : 19 ] وفي موضع آخر : { وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } [ الحج : 5 ] . فالأرض كانت ميتة هامدة جامدة جرداء ، لا أثرَ فيها لحياة ، فلما نزل عليها الماء وسقاها المطر تحركت وأنبتتْ من كل زوج بهيج ، فهي نموذج حيٌّ مُشَاهد للخَلْق وللحياة . وفي آية أخرى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَآءً فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً . . . } [ الحج : 63 ] فهل أخضرتْ الأرضُ ساعةَ نزل عليها المطر ؟ لا ، إنما بعد فترة ، كأنه سبحانه يقول لك : لاحظ الحدث ساعة يوجد ، واستحضر صورته ، فبعد نزول الماء ترى الأرض تخضرّ تدريجياً ، وإنْ لم تبذر فيها شيئاً ، ففيها بذور شتَّى حملتْها الرياح ، ثم استقرتْ في التربة ولو لسنوات طوال تظل صالحة للإنبات تنتظر الماء لتؤدي مهمتها . والذي عاش في الصحراء يشاهد هذه الظاهرة ، وقد رأيناها في عرفة بعد أنْ نزل عليها المطر ، وعُدْنا بعد عدة أيام ، فإذا الأرض تكتسي باللون الأخضر . لذلك إياك أن تظن أن كل زرع زرعه الإنسان ، وإلاَّ فمنْ أين جاءت أول بذرة زرعها الإنسان . إذن : هناك زراعات لا دخلَ للإنسان بها .