الاستمرار والتجدُّد ، ومرة باسم الفاعل ( مُخرِج ) الدال على ثبوت الصفة وملازمتها للموصوف ، لا مجرد حدث عارض .
لذلك تأمل قول الله تعالى : { تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الذي خَلَقَ الموت والحياة لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً . . . } [ الملك : 1 - 2 ] وفي نظرنا أن الحياة تسبق الموت ، لكن الحق سبحانه يريد أن يقتل في الإنسان صفة الاغترار بالحياة ، فجعله يستقبل الحياة بما يناقضها ، فقال { الذي خَلَقَ الموت والحياة . . . } [ الملك : 2 ] .
فقدَّم الموت على الحياة ، فقبل أنْ تفكر في الحياة تذكّر الموت حتى لا تغترّ بها ولا تَطْغى .
ويتجلى هذا المعنى أيضاً في سورة الواقعة : { أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الخالقون نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } [ الواقعة : 58 - 60 ] .
يعني : خذوا بالكم ، وافهموا أنني واهب الحياة ، وأستطيع أنْ أسلبها فلا تغترَّ بها ولا ( تتفرعن ) ، وكأن الحق سبحانه يريد أنْ يَدُكَّ في الإنسان صفة الكبرياء والتعالي ، فيُحدث هذه المقابلة دائماً بين ذِكْر الحياة في آيات القرآن الكريم .
ثم أَلاَ ترى أن الخالق سبحانه لم يجعل للموت سبباً من أسباب العمر والسنين ، فواحد يموت قبل أنْ يُولَد ، وواحد يموت بعد يوم أو بعد شهر ، وآخر يموت بعد عدة أعوام ، وآخر بعد مائة عام .
إذن : مسألة لا ضابط لها إلا أقدار الله وأجله الذي أجلَّه سبحانه ، وفي هذا إشارة للإنسان : احذر فقد تُسلْبَ منك الحياة التي تنشأ منها غرورك في أيِّ لحظة ، ودون أنْ تدري ودن سابق إنذار أو مقدمات ، فاستقِمْ إذن على منهج ربك ، ولا تجتريء على
تفسير الشعراوي — صفحة 11346
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٣٤٦