لأنه تكلَّم عن المساء والصباح ، وفيهما شبه بالحياة والموت ، ففي المساء يحلُّ الظلام ، ويسكُن الخَلْق وينامون ، فهو وقت للهدوء والاستقرار ، والنوم الذي هو صورة من صور الموت ؛ لذلك نسميه الموت الأصغر ، وفي الصباح وقت الحركة والعمل والسعي على المعاش ، ففيه إذن حياة ، كما يقول سبحانه : { وَجَعَلْنَا اليل لِبَاساً وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً } [ النبأ : 10 - 11 ] .
ويُمثَّل الموت والبعث بالنوم والاستيقاظ منه ، كما جاء في بعض المواعظ : « لتموتُن كما تنامون ، ولتُبعثُنَّ كما تستيقظون » .
وما دُمْنا قد شاهدنا الحاليْنِ ، وعايّنا النوم واليقظة ، فلنأخذ منهما دليلاً على البعث بعد الموت ، وإنْ أخبرنا القرآن بذلك ، فعلينا أنْ نُصدِّق ، وأنْ نأخذ من المشاهد دليلاً على الغَيْب ، وهذا ما جاءتْ به الآية :
{ يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحي . . . } [ الروم : 19 ] .
وقوله تعالى هنا ( الحي والميت ) أي : في نظرنا نحن وعلى حَدِّ عِلْمنا وفَهمنا للأمور ، وإلا فكُلُّ شيء في الوجود له حياة تناسبه ، ولا يوجد موت حقيقي إلا في الآخرة التي قال الله فيها : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ . . . } [ القصص : 88 ] .
فضدُّ الحياة الهلاك بدليل قوله تعالى : { لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ . . . } [ الأنفال : 42 ]
وما دام كلُّ شيء هالكاً إلا وجهه تعالى ، فكل شيء بالتالي حَيٌّ ، لكنه حي بحياة تناسبه . وأذكر أنهم كانوا يُعلِّموننا كيفية عمل
تفسير الشعراوي — صفحة 11343
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٣٤٣