أما الهواء الذي لا تصبر عليه إلا بمقدار شهيق وزفير ، فمن حكمة الله تعالى ألاَّ يُملَّك لأحد أبداً ، وإلا لو احتكر الناسُ الهواء لما استقامت الحياة ، فلو منعك صاحب الهواء هواءه لمتَّ قبل أنْ يرضى عنك .
تأمل في نفسك حين تأكل الطعام ، وفيك مدخلان متجاوران : القصبة الهوائية ، وهي مجرى الهواء للرئتين ، والبلعوم وهو مجرى الطعام للمعدة ، تأمل ما يحدث لك إنْ دخلتْ حبة أرز واحدة في القصبة الهوائية ، فبلا شعور تشرَق بها ، وتظل تقاومها حتى تخرج ، وتأمل حركة لسان المزمار حين يسد القصبة الهوائية أثناء البلع ، هذه الحركة التلقائية التي لا دخلَ لك فيها ، ولا قدرة لك عليها بذاتك .
تأمل وضع المعدة ، وكيف أن الله جعل لها فتحة يُسمونها فتحة الفؤاد ، هي التي تُغلق المعدة بإحكام بعد الطعام ، حتى لا تؤذيك رائحته بأنْ تتسرب عصارة المعدة إلى الفم فتؤلمك ، فمن أصابه خلل في إغلاق هذه الفتحة تجد رائحة فمه كريهة يسمونه ( أبخر ) .
كذلك تأمل في عملية إخراج الطعام وكيف تكون طبيعياً مستريحاً ؟ وفجأت تحتاج إلى الحمام وإلى قضاء الحاجة ، ماذا حدث ؟ والأمر كذلك في شربة الماء ، ذلك لأن لجسمك طاقة تحمُّل في الأمعاء وفي المثانة ، ففي لحظة يريد الحمل عن الطاقة ، فتشعر بالحاجة إلى الإخراج .
وهذا مجال لا حصرَ له مهما تقدمتْ العلوم ، ومهما بحثنا في أنفسنا ، ويكفي أن نقرأ : { وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } [ الذاريات : 21 ] فدعانا ربنا إلى البحث في أنفسنا قبل البحث فيما حولنا من آيات السماء والأرض ؛ لأن أنظارنا قد تقصر عن رؤية ما في السماوات والأرض من آيات ، أما نفسي فهي أقرب دليل منك وأقوى دليل عليك .
{ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ في أَنفُسِهِمْ . . . } [ الروم : 8 ] أي : فكِّروا في أنفسكم بعيداً عن ضجيج الناس وجدالهم ومِرائهم ، فحين تجادل
تفسير الشعراوي — صفحة 11316
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٣١٦