قوله سبحانه وتعالى : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ العماد } [ الفجر : 6 - 7 ] .
وطبيعي الآن أن نجد آثار السابقين تحت التراب ، ولا بُدَّ أن نحفر لنصل إليها ؛ لأن عوامل التعرية طمرتها بمرور الزمن ، ولمَ لا والواحد منّا لو غاب عن بيته شهراً يعود فيجد التراب يغطي أسطح الأشياء ، مع أنه أغلق الأبواب والنوافذ ، ولك أن تحسب نسبة التراب هذه على مدى آلاف السنين في أماكن مكشوفة .
وحكَوْا أن الزوابع والعواصف الرملية في رمال الأحقاف مثلاً كانت تغطي قافلة بأكملها ، إذن : كيف ننتظر أن تكون آثار هذه القرى باقية على سطح الأرض ؟ والآن نشاهد في الطرق الصحراوية مثلاً إذا هبَّتْ عاصفة واحدة فإنها تغطي الطرق بحيث تعوق حركة المرور إلى أنْ تُزَاح عنها هذه الطبقة من الرمال .
إذن : علينا أن نقول : نعم يا رب رأينا مساكنهم ومررنا بها - ولو من خلال الصور الحديثة التي التقطت لهذه القرى { وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ . . . } [ العنكبوت : 38 ] يعني : أغواهم بالكفر ، وأقنعهم أنه الأسلوب السليم والأمثل في حركة الحياة { فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل . . . } [ العنكبوت : 38 ] فما دام قد زيَّن لهم سبيل الشيطان فلا بُدَّ أنْ يصدَّهم عن سبيل الإيمان { وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ } [ العنكبوت : 38 ] يعني : لم نأخذهم على غِرَّة .
لأن المبدأ الذي اختاره الله تعالى لخلقه { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } [ الإسراء : 15 ] رسولاً يُبيِّن لهم وينذرهم ، ويحذرهم عاقبة الكفر ؛ لذلك لم يأخذهم الله تعالى إلا بعد أنْ أرسل إليهم رسولاً فكذَّبوه .
تفسير الشعراوي — صفحة 11163
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١١٦٣