ولم يشأ الله أن يترك موسى ليعود لقومه بعد الثلاثين ليلة ، بل أتمها بعشر آخر ، حتى لا يعود موسى ويرى ما فعله قومه ، فكأن العشْرَ زادتْ على الثلاثين ليلة ، ليعطيك الصورة الأخيرة الموجودة في سورة البقرة .
فالمسألة في منتهى الدقة ، ولو لم يأْتِ بالاستثناء في قوله : { إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً . . . } [ العنكبوت : 14 ] فربما يظن السامع أن المسألة تقريبية ، لكن التقريب في عَدِّ البشر ، أما في حساب الحق سبحانه فهو منتهى الدقة ، كما لو سُئلت مثلاً عن الساعة ، فتقول : الساعة العاشرة إلا دقيقة ونصفاً ، يعني : منتهى ما في استطاعتك من حساب الوقت .
فإن قلت : فلماذا هذه اللقطة السريعة من قصة نوح عليه السلام ؟ نقول : هي لتسلية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ؛ لأن قومه وقفوا منه موقف العداء والمكابرة والتكذيب ، وآذوْا أصحابه ، وضيَّقوا الخِنَاق على دعوته ، وقد طالتْ هذه المسألة حتى أخذت ثلاث عشرة سنة من عمر الدعوة ، فسلاَّه ربه : اصبر يا محمد ، فقد صبر زميل لك في الدعوة ألف سنة إلا خمسين عاماً ، يعني مدة المشقة التي تحملتها ما زالت بسيطة هيِّنة ، وقد تحمَّل أولو العزم من الرسل أكثر من ذلك .
ونلحظ هنا { أَلْفَ سَنَةٍ . . . } [ العنكبوت : 14 ] ثم استثنى منها { إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً . . . } [ العنكبوت : 14 ] ولم يقُلْ خمسين سنة ، فاستثنى الأعوام من السنين ، ليدلَّك على أن السنة تعني أيَّ عام ، ويُرفَع الخلاف ؛ لأن البعض يقول : إن السنة هي التي تبدأ من أول المحرم إلى آخر ذي الحجة ، في حين أن السنة ليس من الضروري أنْ تبدأ بالمحرم وتنتهي بذي الحجة ، إنما تبدأ في أي وقت وتنتهي في مثله بعد عام كامل .
تفسير الشعراوي — صفحة 11097
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٠٩٧