إذن : فالنبي أيضاً مُرسَل ، لكنه مُرسَل لذاته .
لكن لماذا كان هذا قبل نوح بالذات ؟ قالوا : لأن الرقعة الإنسانية كانت ضيقة قبل نوح ، وكان الناس حديثي عهد ، لم تنتشر بينهم الانحرافات ، فلما اتسعت الرقعة ، وتداخلت أمور الحياة احتاجت الخليقة لأنْ يرسل الله إليهم الرسل .
والحق سبحانه يأتي بهذه اللقطة الموجزة من قصة نوح - عليه السلام - مع أن له سورة مفردة ، وله لقطات كثيرة منثورة في الكتاب العزيز ، لكن هذه اللقطة تأتي لنا بالبداية والنهاية فقط وكأنها برقية ( تلغرافية ) في مسألة نوح :
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ . . . } [ العنكبوت : 14 ] .
إذن : الرسول جاء من القوم ، وهذا يعني أنهم يعرفونه قبل أن يكون رسولاً ، ويُجرِّبون سلوكه وحركته في الحياة ، ويعرفون خُلقه ، ويعرفون كل تصرفاته ، فليس الرسول بعيداً عنهم أو مجهولاً لهم .
لذلك كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حينما جهر بالدعوة آمن به الذين يعرفونه عن قُرْب دون أنْ يسألوه عن معجزة تؤيده ، بل بمجرد أنْ قال أنا رسول الله آمنوا به وصدَّقوه واتبعوه .
فسيدنا أبو بكر ، هل سمع من رسول الله قبل أن يؤمن به ؟ لا ، إنما بمجرد أن قالوا له : إن صاحبك تنبأ قال : آمنت به ، لماذا ؟ لأنه يعرف له سوابق يبني عليها إيمانه بصاحبه ، فما كان محمد ليكون صاحب خُلق عظيم مع الناس ، ثم يكذب على الله .
تفسير الشعراوي — صفحة 11095
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٠٩٥