ومجئ هذه الآية التي تذكر الجهاد بعد قوله تعالى { فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ وَهُوَ السميع العليم } [ العنكبوت : 5 ] يطلب من الإنسان الذي يعتقد أن أجلَ الله بلقاء الآخرة أتٍ ، وذلك أمر لا شكَّ فيه - يطلب منه أنْ يستعدَّ لهذا اللقاء .
وقال تعالى : { فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ العالمين } [ العنكبوت : 6 ] لأن الإنسان طرأ على كون مُهيأ لاستقباله بسمائه وأرضه وشمسه وقمره ومائه وهوائه ، فكل ما في الكون خادم لك ، ولن تزيد أنت في مُلْك الله شيئاً ، وكل سَعْيك وفكرك لترف حياتك أنت ، فحين تفعل الخير فلن يستفيدَ منه إلا أنت وربك غني عن عطائك .
فإنْ جاهدتَ فإنما تجاهد لنفسك ، كما لو امتنَّ عليك خادمك بالخدمة فتقول له : بل خدمتَ نفسك وخدمتَ عيالك حينما خدمتَ لتوفر لك ولهم أسباب العيش ، وأنا الذي تعبتُ وعرقتُ لأوفر لك المال الذي تأخذه .
وكذلك الحق سبحانه يقول لنا { وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ . . . } [ العنكبوت : 6 ] أي : حينما يطبق المنهج ويسير على هُداه ، والحق سبحانه يؤكد هذه القضية في آيات عديدة { مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } [ فصلت : 46 ] .
ويقول الحق سبحانه : { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا . . . } [ الإسراء : 7 ] .
ويقول سبحانه : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت . . . } [ البقرة : 286 ] .
إذن : المسألة منك وإليك ، ولا دخلَ لنا فيها إلا حرْصنا على صلاح الخَلْق وسلامتهم ، كصاحب الصَّنْعة الذي يريد لصنعته أن
تفسير الشعراوي — صفحة 11077
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١١٠٧٧