تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 11030

مساهمون:

ص١١٠٣٠
ويقول فيما لك فيه غريم : { وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ . . . } [ الشورى : 43 ] فما دام قد ذكر المغفرة ودعاك إليها ، فلا بُدَّ أن أمامك غريماً ، ينبغي أنْ تصبر عليه ، وأن تغفر له ، والغريم يهيجني إلى المعصية وإلى الانتقام ، فكلما رأيته أتميَّز غيظاً ، فالصبر في هذه الحالة أشد ويحتاج إلى عزيمة قوية . لذلك قال سبحانه : { وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور } [ الشورى : 43 ] ولم يقل كما في الأولى : { إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور } [ لقمان : 17 ] إنما بصيغة التأكيد باللام ( لَمِنْ ) . ويُعلِّمنا ربنا - تبارك وتعالى - كيف نعالج غَيْظ النفوس أمام الغريم ، فيقول سبحانه : { والكاظمين الغيظ والعافين عَنِ الناس والله يُحِبُّ المحسنين } [ آل عمران : 134 ] . هذه مراحل ثلاث ، تتدرج بك حسب ما عندك من استعداد للخير وقدرة على التسامح ، فأولها : أن تكظم غيظك ، وهذا يعني أن الغيظ موجود ، لكنك تكتمه في نفسك ، فإن ارتقيتَ عفوتَ بأن تُخرج الغيظ والغِلَّ من نفسك ، كأن شيئاً لم يحدث ، فإن ارتقيتَ إلى المرتبة الأعلى أحسنتَ ؛ لأن الله تعالى يحب المحسنين ، والإحسان أن تقدم الخير وتبادر به مَنْ أساء إليك ، فتجعله رداً على إساءته . ولا شكَّ أن هذه المراحل تحتاج إلى مجاهدة ، فهي قاسية على النفس ، وقلما تجد مَنْ يعمل بها ؛ لذلك ما جعلها الله على وجه الإلزام ، إنما ندب إليها وحثّ عليها ، فإنْ أخذتَ بأْولاَها فلا شيء عليك ؛ لأن الله تعالى أباح لك أن ترد الإساءة بمثلها ، فإنْ كظمتَ غيظك فأنت على خير ، وإن اخترتَ لنفسك الرقي في طاعة ربك ، فنِعمْ الرجل أنت ، ويكفيك { والله يُحِبُّ المحسنين } [ آل عمران : 134 ] .