الموقف وأنَّب نفسه على تصُّرفه مع صاحبه الذي قصد خَيْره ، وكيف أنه رَدَّه بهذه الصورة ، فأراد أنْ يُصلِح هذا الخطأ ، فأرسل إليه رسولاً يحمل الهدايا الكثيرة ، إلا أن رسول الخليفة كلما تبع ابن أُذَيْنة في مكان وجده قد غادره إلى مكان آخر ، إلى أنْ وصل إلى بيته ، فطرق الباب ، وأخبره أن أمير المؤمنين قد ندم على ما كان منه ، وهذه عطاياه وهداياه .
وهنا أكمل ابن أُذيْنة بيته الأول ، فقال :
أسْعَى لَهُ فَيُعَنَّيني تطلُّبه . . . وَلَوْ قَعَدْتُ أَتَانِي لاَ يُعنَّيني
كذلك نلحظ في هذه الآية : { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأن بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ . . } [ الحج : 11 ] ولم يقابل الخير بالشر ، إنما سماها ( فتْنَة ) أي : اختبار وابتلاء ؛ لأنه قد ينجح في هذا الاختبار فلا يكون شراً في حَقِّه .
ومعنى : { انقلب على وَجْهِهِ } [ الحج : 11 ] يعني : عكس الأمر ، فبعد أنْ كان عابداً طائعاً انقلب إلى الضِّدِّ فصار عاصياً { خَسِرَ الدنيا والآخرة . . } [ الحج : 11 ] وخسْران الإنسان لعبادته خسران كبيرٌ لا يُجْبَر ولا يُعوِّضه شيء ؛ لذلك يقول بعدها : { ذلك هُوَ الخسران المبين } [ الحج : 11 ] فهل هناك خُسْران مبين ، وخسران غير مبين ؟
نعم : الخسران هو الخسارة التي تُعوَّض ، أما الخسارة التي لا عِوضَ لها فهذه هي الخسران المبين الذي يلازم الإنسان ولا ينفكُّ عنه ، وهو خُسْران لا يقتصر على الدنيا فقط فيمكن أنْ تُعوِّضه أو تصبر عليه ، إنما يمتد للآخرة حيث لا عِوضَ لخسارتها ولا صَبْر على شِدَّتها . فالخسران المبين أي : المحيط الذي يُطوِّق صاحبه .
تفسير الشعراوي — صفحة 9728
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٧٢٨