بقدر ما يبحث هو عنك ؛ لذلك يقول تعالى : { وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ . . } [ الطلاق : 2 - 3 ] .
ويقول أهل المعرفة : رِزْقك أعلم بمكانك منك بمكانه ، يعني يعرف عنوانك أما أنت فلا تعرف عنوانه ، بدليل أنك قد تطلب الرزق في مكان فلا تُرزَق منه بشيء ، وقد ترى الزرع في الحقول زاهياً تأمل فيه المحصول الوفير ، وتبني عليه الآمال ، فإذا بعاصفة أو آفة تأتي عليه ، فلا تُرزَق منه حتى بما يسدُّ الرَّمَق .
ولنا عبرة ومثَلٌ في ابن أُذَيْنة حين ضاقت به الحال في المدينة ، فقالوا له : إن لك صحبة بهشام بن عبد الملك الخليفة الأموي فاذهب إليه ينالك من خير الخلافة ، وفعلاً سافر ابن أذينة إلى صديقه ، وضرب إليه أكباد الإبل حتى الشام ، واستأذن فأَذن له ، واستقبله صاحبه ، وسأله عن حالة فقال : في ضيق وفي شدة . وكان في مجلس الخليفة علماء فقال له : يا عروة ألست القائل - وكان ابن أُذَيْنَة شاعراً :
لَقَد عَلِمت ومَا الإسْرَافُ مِنْ خُلُقِي . . . أَنَّ الذي هُوَ رِزْقي سَوْفَ يأْتِينِي ؟
وهنا أحسَّ عروة أن الخليفة كسر خاطره ، وخَيَّب أمله فيه ، فقال له : جزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين ، لقد ذكَّرت مني ناسياً ، ونبَّهْتَ مني غافلاً ، ثم انصرف .
فلما خرج ابن أُذيْنة من مجلس الخليفة ، وفكَّر الخليفة في
تفسير الشعراوي — صفحة 9727
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٧٢٧