تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 9703

مساهمون:

ص٩٧٠٣
والمتتبع لآيات القرآن يجد الحق - سبحانه وتعالى - يقول مرة في خَلْق الإنسان : { مِّن تُرَابٍ . . } [ الحج : 5 ] ، ومرة { مِن مَّآءٍ . . } [ الطارق : 6 ] ، و { مِّن طِينٍ . . } [ الأنعام : 2 ] ، و { مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ . . } [ الحجر : 26 ] ، و { مِن صَلْصَالٍ كالفخار . . } [ الرحمن : 14 ] وهذه التي دعتْ المستشرقين إلى الاعتراض على أسلوب القرآن ، يقولون : من أيِّ هذه الأشياء خُلِقْتم ؟ وهذا الاعتراض ناشيء من عدم فَهْم لغة القرآن ، فالتراب والماء والطين والحمأ والمسنون والصلصال ، كلها مراحل متعددة للشيء الواحد ، فإذا وضعتَ الماء على التراب صار طيناً ، فإنْ تركتَ الطين حتى يتخمّر ، ويتداخل بعضه في بعض حتى لا تستطيع أنْ تُميِّز عنصراً فيه عن الآخر . وهذا عندما يعطَنُ وتتغير رائحته يكون هو الحمأ المسنون ، فإنْ جَفَّ فهو صلصال كالفخار ، ومنه خلق اللهُ الإنسان وصوَّره ، ونفخ فيه من روحه ، إذن : هذه مراحل للشيء الواحد ، ومرور الشيء بمراحل مختلفة لا يُغيِّره . ثم تكلم سبحانه عن الخَلْق الثاني بعد آدم عليه السلام ، وهم ذريته ، فقال : { مِن نُّطْفَةٍ . . } [ الحج : 5 ] والنطفة في الأصل هي قطرة الماء العَذْب ، كما جاء في قول الشاعر : بَقَايَا نِطَافٍ أودَعَ الغيمُ صَفْوَهَا . . . مُثقَّلَةُ الأرجَاء زُرْقُ الجَوانبِ ولا تظهر زُرْقة الماء إلا إذا كان صافياً لا يشوبه شيء ، وكذلك النطفة هي خلاصة الخلاصة ، لأن جسم الإنسان تحدث فيه عملية