وقد نزلت هذه الآية : { وَمِنَ الناس مَن يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ . . } [ الحج : 3 ] في النضر بن الحارث ، وكان يجادل عن غير علم في الوجود ، وفي الوحدانية ، وفي البعث . . إلخ .
والآية لا تخص النضر وحده ، وإنما تخص كل مَنْ فعل فِعْله ، ولَفَّ لفَّه من الجدل .
ثم يقول تعالى : { وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ } [ الحج : 3 ] أي : أن هذا الجدل قد يكون ذاتياً من عنده ، أو بوسوسة الشيطان له بما يخالف منهج الله ، سواء أكان شيطانَ الإنس أو شيطانَ الجن .
إذن : فالسيئات والانحرافات والخروج عن منهج الله لا يكون بوسوسة ، إما من النفس التي لا تنتهي عن مخالفة ، وإما من الشيطان الذي يُلِحُّ عليك إلى أنْ يوقِع بك في شِرَاكه .
لكن ، لا نجعل الشيطان ( شماعة ) نعلق عليها كل سيئاتنا وخطايانا ، فليست كل الذنوب من الشيطان ، فمن الذنوب ما يكون من النفس ذاتها ، وسبق أنْ قُلْنا : إذا كان الشيطان هو الذي يوسوس بالشر ، فمَنِ الذي وسوس له أولاً ؟ وكما قال الشاعر :
إِبْلِيسُ لَمَّا غَوَى مَنْ كَانَ إبليسُه ؟ . . . وفَرْق بين المعصية من طريق النفس ، والمعصية من طريق الشيطان ، الشيطان يريدك عاصياً على أيِّ وجه من الوجوه ، أمّا النفس فتريدك عاصياً من وجه واحد لا تحيد عنه ، فإذا صرفتَها إلى غيره لا تنصرف وتأبى عليك ، إلاَّ أنْ تُوقعك في هذا الشيء بالذات .
تفسير الشعراوي — صفحة 9699
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٦٩٩