تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 10177

مساهمون:

ص١٠١٧٧
لأنه تعالى عليك لا ليُذلّك ويهنيك ، وإنما تعالى عليك ليعاليك إليه ويعطيك من فضله . كما سبق أنْ قُلْنا : إن من مصلحتنا أن يكون الله تعالى مُتكبِّراً ، ومن عظمة الحق سبحانه أن يكون له الكبرياء ، فساعة يعلم الجميع أن الكبرياء لله وحدة لا يتكبر أحد على أحد . يقول الحق سبحانه : { وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم } [ الجاثية : 37 ] . لذلك يقولون في الأمثال : ( اللي ملوش كبير يشتري له كبير ) يعني : ليعيش في ظله ، فالحق - تبارك وتعالى - يتعالى لصالح خَلْقه . ومن ذلك ما قُلْناه في مسألة العبودية ، وأنها مكروهه ثقيلة إنْ كانت للبشر ؛ لأن السيد يأخذ خير عبده ، إنما هي محبوبة إنْ كانت لله تعالى ؛ لأن العبودية لله يأخذ العبد خير ربه . فإنْ كانت عروش الدنيا للسيطرة والتحكُّم في مصائر الناس وامتصاص دمائهم وأَخْذ خيراتهم ، فعرش ربك عَرْش كريم ، والكريم في كل شيء أشرف غاياته ، اقرأ قوله تعالى : { كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } [ الدخان : 25 - 26 ] . وحين يوصينا بالوالدين ، يقول سبحانه : { وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً } [ الإسراء : 23 ] . فالعرش الكريم أشرف غايات الملْك ؛ لأن الملْك ليس تسلُّطاً وقَهْراً ، إنما هو مَلْك لصالح الناس ، والحق - تبارك وتعالى - حينما خلق الحياة وزَّع فيها أسباب الفضل ، ولكنه جعل فيها القويّ القادر ، وجعل فيها الضعيف العاجز ، ثم أمر القوي أنْ يأخذ بيد الضعيف ،