تدل عليها ، فالمعنى يوُجدَ أولاً ، ثم نضع له اللفظ الدالّ عليه ، وما دام أن لفظ ( الله ) يدور على ألسنتكم ولا بُدَّ أنكم تعرفون مدلولة ، وهو قضية لغوية انتهيتم منها ، وإلا فالأمر العدمي لا اسم له . فالتليفزيون مثلاً : ما اسمه قبل أن يخترع ؟ لم يكن له اسم ؛ لأنه لم يكُنْ له معنى ، فلما وُجِد وُضِع له الاسم .
وحيث دارت الألسنة بكلمة الله فمعنى ذلك أنه تعالى موجود قبل وجود الاسم ، فالمسألة - إذن - حجة عليكم .
لذلك عرض الحق - سبحانه وتعالى - هذه القضايا في صورة سؤال لينتزع منهم الإقرار بها ، كما لو أنكر شخص جميلك فيه ، فإنْ قلتَ له على سبيل الإخبار : لقد قدمتُ لك كذا وكذا ، والخبر يحتمل الصِّدْق ويحتمل الكذب وله أن يعترف أو ينكر .
أما حين تقول له : ألم أُقدِّم لك كذا وكذا ؟ على سبيل الاستفهام ، فإنه لا يملك إلا الاعتراف ، وينطق لك بالحق وبالواقع ، وتصل بإقراره إلى مَا لا تؤديه الشهادة أو البينة عليه .
ثم يقول الحق سبحانه : { بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بالحق وَإِنَّهُمْ . . } .
يعني : دعوني أخبركم عن أمرهم ، ولماذا أنكروا الحق ولم ينطقوا به ، إنهم ينكرون الحق لأنهم كاذبون ويريدون أنْ يُثبتوا أن ما هم عليه أمر طبيعي ، لماذا ؟ لأنهم مستفيدون من الانحراف ومن الباطل ؛ لذلك يقفون في وجه الرسالة التي جاءت لتعديل الميزان والقضاء على الانحراف والباطل ، ويلجئون إلى تكذيبها وصَرْف الناس عنها ليظلوا ينتفعون هم بالباطل .
تفسير الشعراوي — صفحة 10129
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠١٢٩