وقد وصف العرش بأنه عظيم عند البشر أيضاً ، ففي قصة سليمان وملكة سبأ قال الهدهد : { وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } [ النمل : 23 ] لأن العرش رمزية لاستقرار الملْك واستتباب الأمر لِلْمَلك الذي لا ينازعه في مُلْكه أحد ، ولا يناوشه عليه عدو ؛ لذلك أول ما قال سليمان - عليه السلام - في أمرها قال : { أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا . . } [ النمل : 38 ] وكأنه يريد أن يسلب منها أولاً رمز العظمة والأمن والأمان والاستقرار في الملك .
ثم يقول الحق سبحانه : { سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } .
فما دام الأمر كذلك وما دُمْتم تعترفون بأن لله مُلْكَ السماوات والأرض ، وله العرش العظيم ، فلماذا لا تتقون هذا الإله ؟ لماذا تتمردون على منهجه ؟ إن هذا الكون كله بما فيه خُلِق لخدمتك ، أفلا يلفتك هذا إلى الصانع المنعم .
لذلك يقول تعالى في الحديث القدسي : « يا ابْن آدم ، خلقت الأشياء كلها من أجلك ، وخلقتُك من أجلي ، فلا تنشغل بما هو لك عما أنت له » يعني : لا تُلْهِك النعمة عن المنعم . وعلى العبد أن ينظر أولاً إلى خالقه ومالكه ، فيؤدي حقه ، ثم ينظر إلى ما يملك هو .
ومعنى : { أَفَلاَ تَتَّقُونَ } [ المؤمنون : 87 ] الاتقاء : أن تجعل بينك وبين صفات الجلال من الله وقاية ، وسبق أن قُلْنا : من عجيب آيات القرآن أن تقول مرة ( اتقوا الله ) ومرة ( اتقوا النار ) ، والمعنى لا تعارضَ فيه كما يظنه البعض ، بل المعنى واحد ؛ لأن النار جُنْد
تفسير الشعراوي — صفحة 10124
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠١٢٤