تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 10108

مساهمون:

ص١٠١٠٨
وهذه مهمة العقل بعد أن تحولت المسموعات والمرئيات إلى قضايا ومبادئ عقلية تحكم حياتك ، كما لو رأيتَ النار بعينك ثم لمستها بيدك فأحرقتك فتكوَّنت لديك قضية عقلية مُؤدّاها أن النار لها خاصية الإحراق فلا تلمسها بعد ذلك ، وهذه تراها حتى في الطفل الصغير حينما يعجبه قرن الشطة مثلاً فيقضمه فيشعر بحرارته وألمه . فإن رآه بعد ذلك يقول ( أوف ) ، فهذه اللفظة بالنسبة للطفل قضية عقلية تكوَّنَتْ لديه نتيجة تجربة استقرتْ في فؤاده ، وأخذها مبدأً يسير عليه في كل حياته ، وهكذا من المحسّات ومن تجارب الحياة تتكوَّن لديك قضايا عقلية تستفيد بها فيما بعد . إذن : من وسائل الإدراك تتكوَّن المبادئ والقضايا التي يأخذها العقل ، ويفاضل بينها حتى ينتهي إلى قضية ومبدأ يستقر في القلب ونُسمِّيها عقيدة يعني : شيء معقود عليه لا ينحلّ . وحين تتأمل حديث القرآن عن الحواس تجده يُرتِّبها دائماً هذا الترتيب : السمع والبصر والفؤاد لأنها عُمْدة الحواس ، فالشمُّ مثلاً والتذوق واللمس لا نحتاج إليه إلا قليلاً ، أما السمع والبصر فعليهما تقوم مسألة الدعوة : السمع لسماع البلاغ ، والبصر لنرى آيات الله الدالة على قدرته تعالى . وقد أثبت العلم الحديث هذا الترتيب للسمع والبصر والفؤاد مما يدلُّ على أنه ترتيب من خالق عن حكمة وعلم وقدرة ، بحيث لا يأتي واحد منها قبل الآخر ، كما أثبت علماء وظائف الأعضاء صِدْق هذا الترتيب ، فأوّل أداة تؤدي مهمتها في الإنسان هي الأذن ثم العين ، وتعمل من ثلاثة إلى عشرة أيام من الولادة ، ثم من السمع والبصر