هؤلاء ، فقد جاء أيضاً لينزع من أصحاب السلطان والقهر والجبروت سلطانهم وتعاليهم ، فلا بُدَّ أن يواجهوه ويعاندوه .
ومعنى : { الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ . . } [ المؤمنون : 24 ] كفروا : يعني جحدوا وجود الله { مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } [ المؤمنون : 24 ] فأول شيء صَدَّهم عن الرسول كونه بشراً ، إذن : فماذا كنتم تنتظرون ؟ وقد شرح هذا المعنى في قوله تعالى : { وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى إِلاَّ أَن قالوا أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولاً } [ الإسراء : 94 ] .
ولا بُدَّ في الرسول أن يكون من جنس المرسَل إليهم ؛ ليصح أن يكون لهم أُسْوة ، فيقلدوه ويهتدوا به ، وإلا لو جاء الرسول مَلكاً فكيف تتحقق فيه القدوة ؟ وكيف تطيعونه وأنتم تعلمون أنه مَلَكٌ لا يأكل ولا يشرب ولا يتناسل ، وليست لديه شهوة ، ولا مُقوِّمات المعصية ؟
ولنفرض أن الله نزَّل عليكم ملَكاً ، فكيف ستشاهدونه وتتلقوْن عنه ؟ لا بُدَّ - إذن - أن يأتيكم في صورة رجل لتتمكنوا من مشاهدته والتلقِّي عنه ، وهكذا نعود في نقاش هذه المسألة إلى أنه رجل ؛ لذلك قال سبحانه : { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ } [ الأنعام : 9 ] وتظل الشبهة باقية .
إذن : من الحُمْق أن نقول بأن يكون الرسول مَلَكاً .
أما قولهم : { بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } [ المؤمنون : 24 ] نعم ، هو بشر ، لكن ليس كمثلكم ، فأنتم كاذبون في هذه المثلية ، لأنه بشر اصطفاه الله بالوحي ؛ لذلك يقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : « يؤخذ مني فأقول : ما أنا إلا بشر مثلكم ، وأُعْطَى من الله فأقول : أنا لست كأحدكم » .
تفسير الشعراوي — صفحة 10007
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٠٠٧