أخرى خالدة باقية بعد هذه الحياة الفانية التي مهما أترفت فيها فهي إلى زوال ، فإما أنْ تفوت نعيمها بالموت ، وإما أنْ يفوتك بالحاجة والفقر ، أما في الآخرة فالنعيم دائم بَاقٍ لا يفوتك ولا تفوته ؛ لأنها نعمة لا مقطوعة ولا ممنوعة .
لذلك قال سبحانه : { وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } [ العنكبوت : 64 ] فكأن عطاء الألوهية ربوبية متعدية إلى زمن آخر غير زمن الدنيا ، فلا تظن أن طاعتك ستفيدني في شيء ، أو أن معصيتك ستضرني بشيء ، ومن هنا قال تعالى : { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [ النحل : 118 ] .
وقوله تعالى : { مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ } [ المؤمنون : 23 ] أي : معبود غيره { أَفَلاَ تَتَّقُونَ } [ المؤمنون : 23 ] هذا استفهام يحمل معنى التهديد والتوبيخ ، لكن كيف يُوبِّخهم وهو لم يَزَلْ في مرحلة الأمر بعبادة الله ، ولم يسمع منهم بعد بوادر الطاعة أو العصيان ؟ قالوا : يبدو أنه رأى منهم إعراضاً فأمرهم بتقوى الله .
والتقوى معناها أنْ تجعل بينك وبين ربك وقاية تقيك صفات جبروته وقَهْره وتحميك من أسباب بَطْشه وانتقامه ، فلست مطيقاً لهذه الصفات . والوقاية التي تجعلها بينك وبين هذه الصفات هي أن تنفذ منهج الله بطاعة الأوامر واجتناب النواهي .
ومن عجيب تركيبات التقوى في القرآن الكريم أنْ يقول سبحانه : { واتقوا الله } [ البقرة : 194 ] ويقول : { فاتقوا النار . . } [ البقرة : 24 ] قالوا : نعم اتق الله ، واتق النار ؛ لأنك تتقي الله من متعلقات صفات قهره وغضبه ومنها النار ، فحين تتقي الله بالمنهج فقد اتقيْتَ النار أيضاً .
تفسير الشعراوي — صفحة 10004
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٠٠٤