ويسهر على راحته . كل ذلك بروح سعيدة ونفس راضية مطمئنة ، ربما يجوعان لتشبع ، ويعريان لتكسى ، ويحرمان نفسيهما ليوفرا لك الحياة الكريمة ، فإذا ما كبر الصغير وبلغ الحُلُم ومبلغ الرجال نجده يعقُّهما ، ويخرج عن طاعتهما ، ويأخذه من أحضانهما أصدقاء السوء ، ويُزيّنون له التمرد على أبيه وأمه .
ونقول لمثل هذا العاق : اخْزَ على عِرْضك واسْتَحِ ، فليس هكذا يكون رد الجميل ، وأين كان هؤلاء الأصدقاء يوم أنْ كنتَ صغيراً تحتاج إلى من يعولك ويميط عنك الأذى ، ويسهر على راحتك ؟ قد كان ينبغي عليك ألاَّ تسمع إلا لمن أحسن إليك .
وهذا مثال لتوحيد الألوهية وتوحيد الربوبية - ولله المثل الأعلى - فكيف تأخذ من ربك عطاء الربوبية ، ثم تتمرد عليه سبحانه في الألوهية ، فتعصي أمره وتكفر بنعمه ؟ كان من الواجب عليك الوفاء للنعمة .
ولا بد أن تعلم أن ربك - عَزَّ وَجَلَّ - مأمون عليك في التكليف بالأمر والنهي ، لأنك عبده وصنعته ، وأنك حين تُؤدِّي ما عليك تجاه الألوهية لا ينتفع الله سبحانه من ذلك بشيء ، إنما تعود منفعتها عليك ، وهكذا إذا ما رددت أمور الطاعة والعبادة والتكاليف لوجدتها تعود في النهاية أيضاً إلى عطاء الربوبية ؛ لأنها تعود عليك أنت بالنفع .
فنحن نأخذ الأوامر والنواهي على أنها تكاليف وأعباء يقتضيها الإيمان بالألوهية ، نقول : نعم هي تكاليف من الله لكن لصالحك ، فلو أنصفتَ لوجدتَ الألوهية من الربوبية ، فحين يُحرِّم مثلاً عليك شرب الخمر ويحميك من فساد العقل ، هل ينتفع سبحانه من ذلك بشيء ؟
تفسير الشعراوي — صفحة 10002
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٠٠٢