أخبر الله بها ، مما يدل على أنه تعالى الذي امتنّ علينا بهذه النعمة ، علم ما يمكن أن يتوصل إليه الإنسان من تطور في صناعة الفلك ، وأنها ستكون عالية شاهقة كالجبال .
وطالما أن الكلام معنا عن الفُلْك ، فطبيعي ومن المناسب أن نذكر نوحاً عليه السلام ؛ لأنه أول من اهتدى بالوحي إليه إلى صناعة الفُلْك ، فقال سبحانه : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ . . } [ المؤمنون : 23 ] لما تكلم الحق سبحانه عما في الأنعام من نِعَم وفوائد ، لكنها تؤول كلها - بل والدنيا معها - إلى زوال ، أراد سبحانه أن يعطينا طرفاً من الحياة الباقية والنعيم الدائم الذي لا يزول فذكر منهج الله الذي أُرسِل به نوح ، وهو واحد من أولى العَزْم من الرسل .
والإرسال : هو أنْ يكلِّف مُرسِل مُرْسَلاً إلى مُرْسَل إليه ، فالمكلف هو الحق سبحانه ، والمكلف بالرسالة نوح عليه السلام ، والمرسل إليهم هم قومه ، والله لا يرسل إلى قوم إلا كانوا يهمونه ، وكيف لا وهم عباده وخَلْقه ، وقد جعلهم خلفاء له في الأرض ؟
والذي خلق خَلْقاً ، أو صنع صَنْعة لا بُدَّ أنْ يضع لها قانون صيانتها ، لتؤدي مهمتها في الحياة ، وتقوم بدورها على الوجه الأكمل ، كما مثَّلنا لذلك - ولله تعالى المثل الأعلى - بصانع الثلاجة أو التلفزيون حين يضع معه كتالوجاً يحوي تعليمات التشغيل وطريقة الصيانة وكيفية إصلاح الأعطال .
فالذي خلق الإنسان وجعله خليفة له في الأرض أَوْلَى بهذا القانون وأَوْلَى بصيانة خَلْقه ؛ لذلك يقول سبحانه في الحديث القدسي : « يا ابن آدم ، خلقت الأشياء كلها من أجلك ، وخلقتُك من أجلي ، فلا تشتغل بما هو لك عما أنت له » يعني : ما دام كل شيء
تفسير الشعراوي — صفحة 9997
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٩٩٧