تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 9985

مساهمون:

ص٩٩٨٥
تقول مثلاً لخالي الذهن الذي لا يشك في كلامك : يجتهد محمد ، فإنْ شك تؤكد له بالجملة الاسمية التي تفيد ثبوت واستقرار الصفة : محمد مجتهد ، وتزيد من تأكيد الكلام على قدر الإنكار ، فتقول : إن محمداً مجتهد ، أو إن محمداً لمجتهد ، أو والله إن محمداً لمجتهد . هذه درجات للتأكيد على حسْب حال مَنْ تخاطبه . إذن : أكّد الكلام عن الموت الذي لا يشكّ فيه أحد ، فقال : { ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ } [ المؤمنون : 15 ] ومع ذلك لما تكلَّم عن البعث وهو محلّ الشك والإنكار قال سبحانه : { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ } . ولم يقُلْ : لتبعثون كما قال { لَمَيِّتُونَ } [ المؤمنون : 15 ] فكيف يؤكد ما فيه تصديق وتسليم ، ولا يؤكد ما فيه إنكار ؟ قالوا : نعم ؛ لأن المتكلم هو الله تعالى ، الذي يرى غفلتكم عن الموت رغم وضوحه ، فلما غفلتم عنه كنتم كالمكذِّبين به المنكرين له ، لذلك أكد عليه ، لذلك يقال : « ما رأيت يقيناً أشبه بالشك من يقين الناس بالموت » فالكل يعلم الموت ويعاينه ، لكن يبعده عن نفسه ، ولا يتصوّره في حقه . أما البعث والقيامة فأدلتها واضحة لا يصح لأحد أنْ ينكرها ؛ لذلك جاءت دون توكيد : { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ } [ المؤمنون : 16 ] فأدلة البعث أوضح من أن يقف العقل فيها أو ينكرها ؛ لذلك سأطلقها إطلاقاً دون مبالغة في التوكيد ، أمّا مَنْ يتشكك فيه أو ينكره ، فهذا نؤكد له الكلام ، فانظر إلى بصر الحق - سبحانه وتعالى - بعقليات خَلْقه وبنفوسهم ومَلَكَاتهم .
تفسير الشعراوي — صفحة 9985 | محمد متولي الشعراوي