ومن ذلك أيضاً قول الله تعالى : { تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الذي خَلَقَ الموت والحياة لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً . . } [ الملك : 1 - 2 ] كأنه سبحانه ينعى إلينا أنفسنا قبل أنْ يخلق فينا الحياة ، وقدَّم الموت على الحياة حتى الحياة وتستقبل قبلها الموت الذي ينقضها فلا تغتر بالحياة ، وتعمل لما بعد الموت .
وقد خاطب الحق - سبحانه وتعالى - نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بقوله : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ } [ الزمر : 30 ] البعض يظن أن ميَّت بالتشديد يعني مَنْ مات بالفعل ، وهذا غير صحيح ، فالميِّت بتشديد الياء هو ما يؤول أمره إلى الموت ، وإنْ كان ما يزال على قيد الحياة ، فكلنا بهذا المعنى ميِّتون ، أمّا الذي مات بالفعل فهو ميْت بسكون الياء ، ومنه قول الشاعر :
لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَراحَ بِمَيْتٍ . . . إنما الميْتُ ميِّتُ الأحْياءِ
ومعنى : { بَعْدَ ذلك } [ المؤمنون : 15 ] يعني : بعد أطوار الخَلْق التي تقدمت من خَلْق الإنسان الأول من الطين إلى أنْ قال سبحانه : { فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين } [ المؤمنون : 14 ] .
والمتأمل في هذه الآية وهي تُحدِّثنا عن الموت الذي لا ينكره أحد ولا يشكّ فيه أحد ، ومع ذلك أكدها الحق - تبارك وتعالى - بأداتين من أدوات التوكيد : { ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ } [ المؤمنون : 15 ] فأكّدها بإنّ وباللام ، ومعلوم أننا لا نلجأ إلى التوكيد إلا حين يواجهنا منكر ، فيأتي التأكيد على قَدْر ما يواجهك من إنكار ، أما خالي الذهن فلا يحتاج إلى توكيد .
تفسير الشعراوي — صفحة 9984
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٩٨٤