وقوله تعالى : { مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ . . } [ إبراهيم : 16 ] وجهنم أمامه ، وستأتي فيما بعد ، ولم تَمْضِ فتكون خلفه .
ومعنى : { فأولئك هُمُ العادون . . } [ المؤمنون : 7 ] أي : المعتدون المتجاوزون لما شُرع لهم ، وربنا - تبارك وتعالى - حينما يُحذِّرنا من التعدي يُفرِّق بين التعدي في الأوامر ، والتعدي في النواهي ، فإنْ كان في الأوامر يقول : { فَلاَ تَعْتَدُوهَا } [ البقرة : 229 ] .
وإن كان في النواهي يقول : { فَلاَ تَقْرَبُوهَا } [ البقرة : 187 ] .
ثم يقول الحق سبحانه : { والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ . . } .
{ رَاعُونَ } : يعني يحافظون عليها ويراعونها بالتنفيذ ، والأمانة : كل ما استُؤمِنْت عليه ، وأول شيء استؤمِنتَ عليه عهد الإيمان بالله الذي أخذه الله عليك ، وما دُمْت قد آمنت بالإله فعليك أن تُنفِّذ أوامره .
إذن : هناك أمانة للحق وأمانة للخَلْق ، أمانة الحق التي قال الله تعالى عنها : { إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } [ الأحزاب : 72 ] .
فما دُمْتَ قد قبلت تحمُّل الأمانة ، فعليك الأداء .
أما العهد : فكل ما يتعهد به الإنسان في غير معصية ويلزمه الوفاء بما عاهد به ؛ لأنك حين تعاهد إنساناً على شيء فقد ربطْتَ حركته وقيدتها في دائرة إنفاذ هذا العهد ، فحين تقول لي : سأقابلك غداً في المكان الفلاني في الوقت الفلاني لعمل كذا وكذا ، فإنني
تفسير الشعراوي — صفحة 9969
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٩٦٩