الخفيف ، وإنْ كان في الشتاء اختار السميك .
وبعد أن يختار العقل ويوازن بين البدائل يحكم بقضية تستقر في الذِّهْن وتقتنع بها ، ولا تحتاج لإدراك بعد ذلك ، ولا لاختيار بين البدائل ، وعندها تنفذ ما استقر في نفسك ، وارتحْتَ إليه بقلبك .
إذن : إدراك بالحواس وتمييز بالعقل ووقوف عند مبدأ بالقلب ، وما دام استقر المبدأ في قلبك فقد أصبح دستوراً لحياتك ، وكل جوارحك تخدم هذا المبدأ الذي انتهيتَ إليه ، واستقر في قلبك ووجدانك .
لكن ، لماذا القلب بالذات ؟ قالوا : لأن القلب هو الذي يقوم بعملية ضَخِّ سائل الحياة ، وهو الدم في جميع إجزاء الجسم وجوارحه ، وهذه الجوارح هي أداة تنفيذ ما استقر في الوجدان ؛ لذلك قالوا : الإيمان محلّه القلب ، كيف ؟ قالوا : لأنك غربلْتَ المسائل وصفَّيْت القضايا إلى أن استقرت العقيدة والإيمان في قلبك ، والإيمان أو العقيدة هي ما انعقد في القلب واستقرَّ فيه ، ومن القلب تمتد العقيدة إلى جميع الأعضاء والحواس التي تقوم بالعمل بمقتضى هذا الإيمان ، وما دُمْتَ قد انتهيتَ إلى مبدأ وعقيدة ، فإياك أنْ تخالفه إلى غيره ، وإلاَّ فيكون قلبك لم يفهم ولم يفقه .
وكلمة { يَعْقِلُونَ بِهَآ . . } [ الحج : 46 ] تدل على أن للعقل مهام أخرى غير أنه يختار ويفاضل بين البدائل ، فالعقل من مهامه أنْ يعقل صاحبه عن الخطأ ، ويعقله أنْ يشرد في المتاهات ، والبعض يظن أن معنى عقل يعني حرية الفكر وأنْ يشطح المرء بعقله في الأفكار كيف يشاء ، لا ، العقل من عِقَال الناقة الذي يمنعها ، ويحجزها أنْ تشرُدَ منك .
تفسير الشعراوي — صفحة 9862
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٨٦٢