فما داموا قد ساروا وترحلَّوا في البلاد ، فكيف لا يعقلون آيات الله ؟ وكيف لا تُحرِّك قلوبهم ؟
ولنا وقفة عند قوله تعالى : { فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ . . } [ الحج : 46 ] وهل يعقِل الإنسانُ بقلبه ؟ معلوم أن العقل في المخ ، والقلب في الصدر .
نعم ، للإنسان وسائل إدراك هي الحواس التي تلتقط المحسَّات يُسمُّونها تأدُّباً مع العلم : الحواس الخمس الظاهرة ؛ لأن العلم أثبت للإنسان في وظائف الأعضاء حواساً أخرى غير ظاهرة ، فحين تُمسِك بشيئين مختلفين يمكنك أن تُميِّز أيهما أثقل من الآخر ، فبأيِّ حاسة من الحواس الخمس المعروفة توصلْتَ إلى هذه النتيجة ؟
إنْ قُلْتَ بالعين فدعْها على الأرض وانظر إليها ، وإنْ قُلْتَ باللمس فلك أنْ تلمسها دون أنْ ترفعها من مكانها ، إذن : فأنت لا تدرك الثقل بهذه الحواس ، إنما بشيء آخر وبآلة إدراك أخرى هي حاسة العَضَلِ الذي يُميِّز لك الخفيف من الثقيل .
وحين تذهب لشراء قطعة من القماش تفرك القماش بلطف بين أناملك ، فتستطيع أنْ تُميِّز الثخين من الرقيق ، مع أن الفارق بينهما لا يكاد يُذْكَر ، فبأيِّ حاسة أدركْتَه ؟ إنها حاسة البَيْن . كذلك هناك حاسة البُعْد وغيرها من الحواسّ التي يكتشفها العلم الحديث في الإنسان .
فلما يدرك الإنسان هذه الأشياء بوسائل الإدراك يتدخَّل العقل ليغربل هذه المدركات ، ويختار من البدائل ما يناسبه ، فإنْ كان سيختار ثوباً يقول : هذا أنعم وأرقّ من هذا ، وإنْ كان سيختار رائحة يقول : هذه ألطف من هذه ، إنْ كان في الصيف اختار
تفسير الشعراوي — صفحة 9861
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٨٦١