في مدتهم ، لا إكراماً لهم ، ولكن ليأخذهم بعد هذا أخْذ عزيز مقتدر ، وفي آية أخرى يُوضِّح لنا هذه البرقية المختصرة ، فيقول سبحانه : { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً . . } [ آل عمران : 178 ]
وفي هذا المعنى يقول أيضاً : { فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ } [ التوبة : 55 ] .
إذن : لا تغتر بما في أيديهم ؛ لأنه فتنة ، حتى إذا أخذهم الله كانت حسرتهم أكبر ، فمن عُدم هذه النعم لا يتعلق قلبه بها ، ولا يألَم لفقدها .
وقد حدث شيء من هذا في أيام سعد زغلول ، وكان أحد معارضيه يشتمه ويتطاول عليه ، لكن فوجئ الجميع بأنه يُولِّيه منصباً مرموقاً في القاهرة ، فتعجّب الناس وسألوه في ذلك فقال : نعم ، وضعته في هذا المنصب ليعرف العلو والمنزلة حتى يتحسَّر عليها حين تُسْلَب منه ، وتكون أنكى له . يعني : يرفعه إلى أعلى حتى يهوي على رقبته ، لأنه ما فائدة أن توقعه من على الحصيرة مثلا ً ؟ ! !
ثم يقول تعالى : { فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } [ الحج : 44 ] الحق سبحانه يُلقِي الخبر في صورة استفهام لتقول أنت ما حدث وتشهد به .
والمراد : أعاقبناهم بما يستحقون ؟
والنكير : هو الإنكار على شخص بتغيير حاله من نعمة إلى نقمة ، كالذي يُكرمك ويُواسيك ويَبَشُّ في وجهك ويُغدق عليك ، ثم يقطع عنك هذا كله ، فتقول : لماذا تنكَّر لي فلان ؟ يعني : قطع عني نعمته .
وكأن الحق - تبارك وتعالى - يريد أن ينتزع مِنَّا الإقرار بقدرته تعالى على عقاب أعدائه ومُكذِّبي رسله ، وهذا المعنى جاء أيضاً في
تفسير الشعراوي — صفحة 9855
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٨٥٥