إذن : { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ . . } [ المدثر : 31 ] فلا تُعوِّل فقط على قوتك وتحسب مدى تكافُئِك مع عدوك ، دَعْكَ من هذه الحسابات ، وما عليك إلا أنْ تستنفد وسائلك وأسبابك ، ثم تدع المجال لأسباب السماء .
وأقلُّ جنود ربك أنْ يُلقي الرعب في قلوب أعدائك ، وهذه وحدها كافية ، ويُرْوى أنهم في إحدى المعارك الإسلامية تغيرت رائحة أفواه المسلمين ، وأحسُّوا فيها بالمرارة لطول فترة القتال ، فأخرجوا السواك يُنظفِّون أسنانهم ، ويُطيِّبون أفواههم ، عندها قال الكفار : إنهم يسنُّون أسنانهم ليأكلونا ، وقذف الله في قلوبهم الرعب من حيث لا يدرون .
ثم يقول تعالى : { إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } [ الحج : 40 ] عزيز : يعني لا يُغلب ، وما دام أن الله تعالى ينصر مَنْ نصره فلا بُدَّ أن تنتهي المعركة بالنصر مهما خارتْ القوى ومهما ضَعُفتْ ، ألم يكُن المسلمون في مكة ضعفاء مضطهدين ، لا يستطيع واحد منهم أن يرفع رأسه بين الكفار ؟
ولما نزل قول الله تعالى وهم على هذه الحال : { سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر } [ القمر : 45 ] تعجب عمر بفراسته وعبقريته : أيُّ جمع هذا الذي سيُهزم ونحن غير قادرين حتى حماية أنفسنا ؟ فلما رأى يوم بدر قال : صدق الله { سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر } [ القمر : 45 ] .
فما دام أن الله قوي عزيز فلا بُدَّ أن ينصركم ، وهذه مسألة
تفسير الشعراوي — صفحة 9851
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٨٥١