تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 9838

مساهمون:

ص٩٨٣٨
فَكرِه الناس ما يربطهم بالسماء ، وهدموا أماكن العبادة ، فهذه الطامة والفساد الذي لا صلاحَ بعده ، فكأن الآيتين تصوران نوعاً من الإيغال في الفساد ، والاتّضاع في الجرائم . وتفسد الأرض حين ينعدم هذا التدافع ، كيف ؟ هَبْ أن ظالماً مسْتبداً في بلد ما يستعبد الناس ويمتصّ خيراتهم بل ودماءهم دون أنْ يردَّه أحد ، لا شكَّ أن هذا سيُحدث في المجتمع تهاوناً وفوضى ، ولن يجتهد أحد فوق طاقته ، ولمن سيعمل وخيره لغيره ؟ وهذا بداية الفساد في الأرض . فإنْ قُلْنا : هذا فساد بين الناس في حركة حياتهم يمكن أنْ يصلح فيما بعد ، فما بالك إن امتدَّ الفساد إلى أماكن الطاعات والعبادات ، وقطع بين الناس الرباط الذي يربطهم بالسماء ؟ إنْ كان الفساد الأول قابلاً للإصلاح ، ففساد الدين لا يصلح ، لأنك خرَّبْتَ الموازين التي كانت تُنظِّم حركة الحياة ، فأصبح المجتمع بلا ميزان وبلا ضوابط يرجع إليها . ونلْحظُ في قوله تعالى : { وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ . . } [ الحج : 40 ] جاءت قضية عامة لكل الناس ، فلم يخصْ طائفة دون أخرى ، فلم يَقُلْ مثلاً : لولا دَفْع الله الكافرين بالمؤمنين ، إنما قال مُطلْق الناس ؛ لأنها قضية عامة يستوي فيها الجميع في كل المجتمعات . كذلك جاءت كلمة ( بعض ) عامة ؛ لتدل على أن كلاَ الطرفين صالح أن يكون مدفوعاً مرة ، ومدفوعاً عنه أخرى ، فَهُمْ لبعض بالمرصاد : مَنْ أفسد يتصدى له الآخر لِيُوقِفه عند حَدِّه ، فليس المراد أن طائفة تدفع طائفة على طول الخط .
تفسير الشعراوي — صفحة 9838 | محمد متولي الشعراوي