تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 9837

مساهمون:

ص٩٨٣٧
فلو أنهم أُخْرِجوا بحقٍّ كأنْ فعلوا شيئاً يستدعي إخراجهم من ديارهم ، كأنْ خدشوا الحياء ، أو هددوا الأمْن ، أو أجرموا ، أو خرجوا على قوانين قبائلهم لكانَ إخراجهُم بحقٍّ . إنما الواقع أنهم ما فعلوا شيئاً ، وليس لهم ذَنْب { إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا . . } [ الحج : 40 ] هذه المقولة اعتبرها القوم ذَنْباً وجريمة تستحق أنْ يخرجوهم بها من ديارهم . كما قال سبحانه في أهل الأخدود : { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بالله العزيز الحميد } [ البروج : 8 ] . وفي آية أخرى : { هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بالله . . } [ المائدة : 59 ] . وفي قصة لوط عليه السلام : { قالوا أخرجوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } [ النمل : 56 ] . إذن : أخرجوهم ، لا لأنهم أهل نجاسة ومعصية ، إنما لأنهم أناسٌ يتطهَّرون ، فالطهارة والعفة جريمتهم التي يُخْرَجُون من أجلها ! ! كما تقول : لا عيْبَ في فلان إلا أنه كريم ، أو تقول : لا كرامةَ في فلان إلا أنه لِصٌّ . فهذه - إذن - صفة لا تمدح ، وتلك صفة لا تذم . لقد قلب هؤلاء الموازين ، وخالفوا الطبيعة السويّة بهذه الأحكام الفاسدة التي تدل على فساد الطباع ، وأيّ فساد بعد أنْ قَلَبوا المعايير ، فكرهوا ما يجب أنْ يُحب ، وأحبوا ما يجب أن يكره ؟ ولا أدلَّ على فساد طبائعهم من عبادتهم لحجر ، وترْكهِم عبادة خالق السماوات والأرض . ثم يقول تعالى : { وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً . . } [ الحج : 40 ] وفي آية أخرى يُبيِّن الحق سبحانه نتيجة انعدام هذا التدافع : { وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض . . } [ البقرة : 251 ] . والفساد إنْ حدث بين الناس في حركة الحياة فيمكن أنْ يُعوَّض ويُتدارك ، أما إنْ تعدّى الفساد إلى مُقوِّمات اليقين الإيماني في الأرض