صيغة أفعل التفضيل ( أقرب ) تدل على أن شيئين اشتركا في صفة واحدة ، إلا أن أحدهما زاد عن الآخر في هذه الصفة ، فلو قُلْتَ : فلان أحسن من فلان . فهذا يعني أن كلاهما حَسَن ، لكن زاد أحدهما عن الآخر في الحُسْن .
فقوله تعالى : { يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ . . } [ الحج : 13 ]
إذن : هناك نَفْع وهو قريب ، لكن الضر أقرب منه ، فهذه الآية في ظاهرها تُناقِض الآية السابقة ، والحقيقة ليس هناك تناقض ، ولا بُدَّ أنْ نفهمَ هذه المسألة في ضوء قوله تعالى : { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً } [ النساء : 82 ] .
فالأوثان التي كانوا يعبدونها كان لها سَدَنة يتحكَّمون فيها وفي عابديها ، فإذا أرادوا من الآلهة شيئاً قالوا للسدنة : ادعوا الآلهة لنا بكذا وكذا ، إذن : كان لهم نفوذ وسُلْطة زمنية ، وكانوا هم الواسطة بين الأوثان وعُبَّادها ، هذه الواسطة كانت تُدِرُّ عليهم كثيراً من الخيرات وتعطيهم كثيراً من المنافع ، فكانوا يأخذون كل ما يُهْدَى للأوثان .
فالأوثان - إذن - سبب في نَفْع سدنتها ، لكن هذا النفع قصاراه في الدنيا ، ثم يتركونه بالموت ، فمدة النفع قصيرة ، وربما أتاه الموت قبل أنْ يستفيد بما أخذه ، وإنْ جاء الموت فلا إيمانَ ولا عملَ ولا توبةَ ، وهذا معنى { ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ . . } [ الحج : 13 ] .
لذلك يقول تعالى بعدها : { لَبِئْسَ المولى وَلَبِئْسَ العشير } [ الحج : 13 ] كلمة ( بئس ) تُقَال للذم وهي بمعنى : ساء وقَبُح ، والموْلَى : الذي يليك ويقرُب منك ، ويُراد به النافع لك ؛ لأنك لا تقرِّب إلا النافع لك ، إما لأنه يعينك وقت الشدة ، ويساعدك وقت الضيق ، وينصرك إذا احتجتَ لِنُصْرته ، وهذا هو الوليُّ .
تفسير الشعراوي — صفحة 9732
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٩٧٣٢