تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 8884

مساهمون:

ص٨٨٨٤
وقد أراد الحق سبحانه أن يصيح رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالدعوة في مكة ويجهر بها في أُذن صناديد الكفر وعُتَاة الجزيرة العربية الذين لا يخرج أحد عن رأيهم وأمرهم ؛ لأن لهم مكانةً وسيادة بين قبائل العرب . ولحكمة أرادها الحق سبحانه لم يأْتِ نصر الإسلام على يد هؤلاء ، ولو جاء النصر على أيديهم لقيل : إنهم أَلِفُوا النصر وألفوا السيادة على العرب ، وقد تعصَّبوا لواحد منهم ليسُودوا به الدنيا كلها ، فالعصبية لمحمد لم تخلق الإيمان بمحمد ، ولكن الإيمان بمحمد خلق العصبية لمحمد . ثم يقول الحق سبحانه : { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا . . } [ الكهف : 29 ] والعذاب هنا لمن اختار الكفر ، لكن لماذا تُهوّل الآية وتُفخِّم أمر العذاب ؟ لأن الإعلام بالعقاب وتهويله وتفظيعه الإنذار به لا ليقع الناس في موجبات العقاب ، بل لينتهوا عن الجريمة ، وينأوْا عن أسبابها ، إذن : فتفظيع العقاب وتهويله رحمة من الله بالعباد ؛ لأن خَوْف العذاب سيمنعهم من الجريمة . ومعنى { أَعْتَدْنَا } أي : أعددنا ، فالمسألة منتهية مُسْبقاً ، فالجنة والنار مخلوقة فعلاً ومُعدَّة ومُجهّزة ، لا أنها ستُعَدُّ في المستقبل ، وقد أُعِدَّتْ إعداد قادر حكيم ، فأعدَّ الله الجنة لتتسع لكل الخَلْق إنْ آمنوا ، وأعدّ النار لتتسع لكل الخلق إنْ كفروا ، فإنْ آمن بعض الخلق وكفر البعض ، فالذي آمن وَفّر مكانه في النار ، والذي كفر وفَّر مكانه في الجنة . لذلك قال تعالى في هذه المسألة : { وَتِلْكَ الجنة التي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [ الزخرف : 72 ]