وقوله تعالى : { لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ . . } [ الإسراء : 12 ]
وهذه هي العلة الأولى لآية الليل والنهار .
أي : أن السعي وطلب الرزق لا يكون إلا في النهار ؛ لذلك أتى طلب فضل الله ورزقه بعد آية النهار ، ومعلوم أن الإنسان لا تكون له حركة نشاطية وإقبال على السَّعي والعمل إلا إذا كان مرتاحاً ولا تتوفر له الراحة إلا بنوم الليل .
وبهذا نجد في الآية الكريمة نفس الترتيب الوارد في قوله تعالى : { وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ . . }
[ القصص : 73 ]
فالترتيب في الآية يقتضي أن نقول : { لِتَسْكُنُواْ فِيهِ . . } [ القصص : 73 ]
أي : في الليل ، { وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ . . } [ القصص : 73 ] أي : في النهار ، وعمل النهار لا يتم إلا براحة الليل ، فهما إذن متكاملان .
والحق سبحانه وتعالى جعل النهار مَحلاً للحركة وابتغاء فضل الله ؛ لأن الحركة أمرٌ ماديّ وتفاعل ماديّ بين الإنسان ومادة الكون من حوله ، كالفلاح وتفاعله مع أرضه ، والعامل تفاعله مع آلته .
هذا التفاعل المادي لا يتم إلا في ضوء ؛ لأن الظلمة تغطي الأشياء وتُعميها ، وهذا يتناسب مع الليل حيث ينام الناس ، أما في السعي والحركة فلا بُدَّ من ضوء أتبين به الفاعل والمنفعل له ، ففي الظلمة قد تصطدم بما هو أقوى منك فيحطمك ، أو بما هو أضعف منك فتحطمه .
تفسير الشعراوي — صفحة 8405
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٤٠٥