و { الكتاب . . } [ الكهف : 1 ] هو القرآن الكريم ، لكن سورة الكهف ترتيبها الثامنة عشرة بين سور المصحف من المائة والأربعة عشرة سورة ، أي : أن القرآن لم يكتمل بعد ، فلماذا قال تعالى { الكتاب } وهو لم يكتمل بعد ؟
نقول : الكتاب يُطلَق ويُرَادُ به بعضه ، كما في قوله تعالى : { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ } [ القيامة : 18 ]
فالآية الواحدة تُسمَّى قرآناً ، والسورة تُسمَّى قرآناً ، والكل نُسمِّيه قرآناً .
أو : يكون المراد أَنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ ، ثم نزَّله بعد ذلك مُنَجَّماً حَسْب الوقائع ، فالمراد هنا الإنزال لا التنزيل .
وقوله تعالى : { وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } [ الكهف : 1 ] أي : جعله مستقيماً ، لا عِوجَ فيه ، كما قال في آية أخرى : { قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ . . } [ الزمر : 28 ] والاعوجاج ، أن يأخذ الشيءُ امتداداً مُنْحنياً ملتوياً ، أما الاستقامة فهي الامتداد في نفس الاتجاه ، لا يميل يميناً أو شمالاً ، ومعلوم أن الخطَّ المستقيم يمثل أقرب مسافة بين نقطتين ، ولا تستقيم حياة الناس في الدنيا إلا إذا ساروا جميعاً على منهج مستقيم يعصمهم من التصادم في حركة الحياة .
فالحق سبحانه وتعالى خلق الخَلْق متكاملين ، فكُلٌّ منهم لديه موهبة يحتاجها الآخرين ، فهذا طبيب ، وهذا مهندس ، وهذا نجار ، وهذا خياط ، ولا يستطيع أحد أن يقومَ بذاته أو يستغني عن مواهب غيره ، فلا بُدَّ أن يتواجه الناس في الحياة ، وأنْ يتكاملوا .
تفسير الشعراوي — صفحة 8832
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٨٣٢