أي : ما منعهم من الإيمان إلا هذه المسألة : أن يكون الرسول بشراً ، هذه هي القضية التي وقفت في حلوقهم : { أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولاً } [ الإسراء : 94 ]
والمتأمِّل في مسألة التبليغ عن الله يجد أنها لا يمكن أنْ تتم إلا ببشر ، فكيف يبلغ البشر جنس آخر ، ولا بُدَّ للتلقِّي عن الله من وسائط بين الحق سبحانه وتعالى وبين الناس ؛ لأن البشر لا يستطيع أنْ يتلقّى عن القُوة العليا مباشرة ، فإذنْ : هناك مراحل : { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ } [ الشورى : 51 ]
لكن الرسول البشري كيف يُكلِّم الله ؟ لا بُدَّ أنْ نأتي برسول من الجنس الأعلى : { الله يَصْطَفِي مِنَ الملائكة رُسُلاً . . } [ الحج : 75 ] وهذا مرحلة ، ثم يصطفي رسولاً من البشر يتلقّى عن الملَكِ كي يستطيع أنْ يُبلِّغكم ؛ لأنكم لا تقدرون على اللقاء المباشر يتلقى عن الملك كي يستطيع أن يبلغكم ؛ لأنكم لا تقدرون على اللقاء المباشر مع الحق سبحانه .
ونضرب لذلك مثلاً ولله المثل الأعلى : أنت إذا أردتَ إضاءة لمبة صغيرة وعندك تيار كهربائي عالٍ ، هل يمكن أنْ تُوصِّله بهذه اللمبة ؟ لا لأنها ستحرق فوراً ، إذن : ما الحل ؟ الحل أنْ تأتي بجهاز وسيط يُقلِّل لك هذا التيار القوي ، ويعطي اللمبة على قَدْر حاجتها فتضيء .
كذلك الحق سبحانه يصطفي من الملائكة رسلاً يمكنهم التلقِّي عن الله ويصطفي من البشر رسلاً يمكنهم التلقِّي عن الملائكة ، ثم يُبلّغ الرسول المصطفى من البشر بني جنسه . إذن : فماذا يُزعجكم في أنْ يكون الرسول بشراً ؟ ولماذا تعترضون على هذه المسألة وهي أمر طبيعي ؟
يقول تعالى : { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناس . . } [ يونس : 2 ]
تفسير الشعراوي — صفحة 8748
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٧٤٨