البحر هو المزنق والضائقة التي لا يستطيع الخلاص منها إنْ أصابه فيه سوء ، فالبر منافذ النجاة فيه متعددة ، أما البحر فلا نجاة فيه إلا بعناية الله ، يقول تعالى : { حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الموج مِن كُلِّ مَكَانٍ وظنوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين . . } [ يونس : 22 ]
وهكذا الإنسان حتى الكافر ، إذا ضاقتْ به الحِيَل ولم يجد مَنْفذاً يلجأ إلى الله المنفذ الحقيقي والمفرِّج للكَرْب ، والإنسان عادة لا يُسلم نفسه ويظلّ مُتعلّقاً بالأمل في النجاة .
فقوله تعالى : { وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ . . } [ الإسراء : 67 ]
أي : أحاط بهم الخطر بالريح العاصف أو الموج العالي ، وأحسُّوا بخطورة الموقف ولا مُنقِذَ لهم إلا الله ، حتى الكفار في هذا الموقف يَصْدُقون مع أنفسهم ، ولا يخدعونها ولا يكذبون عليها ، فإنْ آمنوا بآلهة أخرى وإنْ عبدوا الأصنام والأوثان ، فإنهم في هذا الضيق لا يلجأون إلا إلى الله ، ولا يدعون إلا الله ؛ لأنهم يعلمون تماماً أن آلهتهم لا تسمع ولا تجيب ، ولا تملك لهم نفعاً ولا نجاة .
قوله تعالى : { ضَلَّ مَن تَدْعُونَ . . } [ الإسراء : 67 ] أي : ذهب عن بالكم مَن اتخذتموهم آلهة ، وغابوا عن خاطركم ، فلن يقولوا هنا يا هبل ؛ لأنهم لن يغشُّوا أنفسهم ، ولن ينساقوا وراء كذبهم في هذا الوقت العصيب .
إنهم في هذا الضيق لن يتذكروا آلهتهم ، ولن تخطرَ لهم ببال
تفسير الشعراوي — صفحة 8675
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٦٧٥