رحيم ، فتضرعوا إليه ودَعَوْهُ ، فلمّا نجّاهم إلى البر أعرضوا ، وعادوا لما كانوا عليه وتنكّروا للجميل والمعروف ؛ لذلك يقول تعالى بعدها : { وَكَانَ الإنسان كَفُوراً } [ الإسراء : 67 ]
وكفور : صيغة مبالغة من الكفر ، أي : كثير الكفر للنعمة ، ولَيْتَه كفر بنعمة الخلق فقال : إنه أتى هكذا من فعل الطبيعة ، إنما كفر بنعمة ملموسة مشاهدة عاش مأزقها ، وقاسى خطرها ، ثم إذا نجَّاه الله أعرض وتمرَّد ، وهذا من طبيعة الإنسان .
ثم يقول الحق سبحانه : { أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً . . . } .
فهؤلاء الذين أعرضوا عن الله بعد إذ نجَّاهم في البحر أأَمِنُوا مكْر الله في البر ؟ وهل الخطر في البحر فقط ؟ وأليس الله تعالى بقادر على أن يُنزِل بهم في البر مثل ما أنزل بهم في البحر ؟
يقول تعالى : { أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر . . } [ الإسراء : 68 ]
كما قال تعالى في شأن قارون : { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض . . } [ القصص : 81 ] ولستم ببعدين عن هذا إنْ أراده الله لكم ، وإنْ كنا نقول « البر أمان » فهذا فيما بيننا وبين بعضنا ، أما إنْ جاء أمر الله فلن يمنعنا منه مانع .
تفسير الشعراوي — صفحة 8677
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٦٧٧