وأول مَنْ صنع السفن بوحي من الله نوح عليه السلام ، فلم تكُنْ معروفة قِبله ، بدليل قوله تعالى : { وَيَصْنَعُ الفلك وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ } [ هود : 38 ] .
فلم يكُنْ للناس عهد بالسفن ، وكانت سفينة نوح بدائية من ألواح الخشب والحبال ، ولولا أن الله تعالى دَلَّه على طريقة بنائها ، وهداه إلى تنظيمها ما كان له عِلْم بهذه المسألة ، فكَوْنُ الحق سبحانه يهدينا بواسطة نبي من أنبيائه إلى مركب من المراكب التي تيسّر لنا الانتفاع بثلاثة أرباع الأرض ، لا شكَّ أنها رحمة بالإنسان وتوسيع عليه .
وكذلك من رحمته بنا أنْ يسّر لنا تطوير هذا المركب على مر العصور ، فبعد أن كان يتحرك على سطح الماء بقوة الهواء باستخدام ما يسمى بالقلع ، والذي يتحكم في المركب من خلاله ، ويستطيع الربان الماهر تسفيح القلع ، يعني توجيهه إلى الناحية التي يريدها .
فكان الريح هو الأصل في سَيْر السفن ، ثم أتى التقدم العلمي الذي اكتشف البخار والآلات ثم الكهرباء ، وبذلك سهّل على الإنسان تحريك السفن على سطح الماء بسهولة ويُسْر ، كما تطورتْ صناعة السفن كذلك على مَرَّ العصور ، حتى أصبحنا نرى الآن البوارج الكبيرة متعددة الأدوار ، والتي تشبه فعلاً الجبال ، مِصْداقاً لقوله الحق سبحانه وتعالى :
{ وَمِنْ آيَاتِهِ الجوار فِي البحر كالأعلام } [ الشورى : 32 ]
يعني : كالجبال ، وكأن الحق سبحانه وتعالى يُعطينا الدليل على
تفسير الشعراوي — صفحة 8673
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٦٧٣