نعم ، إنهم يحمدون الله تعالى ؛ لأنهم عاينوا هذا اليوم الذي طالما ذكَّرهم به ، ودعاهم إلى الإيمان به ، والعمل من أجله ، وطالما ألحَّ عليهم ودعاهم ، ومع ذلك كله جحدوا وكذَّبوا ، وها هم اليوم يَروْنَ ما كذَّبوه وتتكشّف لهم الحقيقة التي أنكروها ، فيقومون حامدين لله الذي نبَّههم ولم يُقصِّر في نصيحتهم . كما أنك تنصح ولدك بالمذاكرة والاجتهاد ، ثم يخفق في الامتحان فيأتيك معتذراً : لقد نصحتني ولكني لم أستجبْ .
إذن : فبيانُ الحق سبحانه لأمور الآخرة من النِّعَم التي لا يعترف بها الكفار في الدنيا ، ولكنهم سيعترفون بها في الآخرة ، ويعرفون أنها من أعظم نِعَم الله عليهم ، ولكن بعد فوات الأوان .
لذلك اعترض المستشرقون على قوله تعالى في سورة ( الرحمن ) : { فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } [ الرحمن : 34 ] بعد قوله تعالى : { يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ } [ الرحمن : 34 ] فالآية في نظرهم تتحدث عن نِقْمة وعذاب ، فكيف يناسبها :
{ فَبِأَيِّ ءالاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } [ الرحمن : 35 ]
والمتأمّل في الآية يجدها منسجمة كل الانسجام ؛ لأن من النعمة أن نُنبِّهك بالعِظَة للأمر الذي ينتظرك والعذاب الذي أُعِدَّ لك حتى لا تقعَ في أسبابه ، فالذي يعلم حقيقة العذاب على الفِعْل لا يقترفه .
ثم يقول تعالى : { وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً } [ الإسراء : 52 ]
الظن : خبر راجح ؛ لأنهم مذبذبون في قضية البعث لا يقين عندهم بها .
تفسير الشعراوي — صفحة 8607
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٦٠٧