وفَرْق بين العبودية لله والعبودية للبشر ، فالعبودية لله عِزٌّ وشرف يأخذ بها العبدُ خَيْرَ سيده ، وقال الشاعر :
وَمِمّا زَادَني شَرَفاً وَعِزّاً . . . وكِدْتُ بأخْمُصِي أَطَأَ الثُّريَّا
دُخُولِي تَحْتَ قولِكَ يَا عِبَادِي . . . وَأنْ صَيَّرت أحمدَ لِي نبيّاً
أما عبودية البشر للبشر فنقْصٌ ومذلَّة وهوان ، حيث يأخذ السيد خَيْر عبده ، ويحرمه ثمره كَدِّه .
لذلك ، فالمتتبّع لآيات القرآن يجد أن العبودية لا تأتي إلا في المواقف العظيمة مثل :
{ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ . . } [ الإسراء : 1 ] .
وقوله : { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ . . } [ الجن : 19 ] .
ويكفيك عِزاً وكرامة أنك إذا أردتَ مقابلة سيدك أن يكون الأمر في يدك ، فما عليكَ إلا أنْ تتوضأ وتنوي المقابلة قائلاً : الله أكبر ، فتكون في معية الله عَزَّ وَجَلَّ في لقاء تحدد أنت مكانه ومُوعده ومُدّته ، وتختار أنت موضوع المقابلة ، وتظل في حضرة ربك إلى أن تنهي المقابلة متى أردتَ .
وما أحسنَ ما قال الشاعر :
حَسْبُ نَفْسِي عِزّاً بِأَنِّي عَبْدٌ . . . يَحْتَفِي بِي بِلاَ مَواعِيدَ رَبُّ
هُو في قُدْسِه الأعَزِّ ولكِنْ . . . أنَا أَلْقَى متَى وَأَيْنَ أُحِبُّ
فما بالك لو حاولت لقاء عظيم من عظماء الدنيا ؟ وكم أنت مُلاقٍ من المشقة والعنت ؟ وكم دونه من الحجّاب والحرّاس ؟ ثم بعد ذلكَ ليس لك أن تختار لا الزمان ولا المكان ، ولا الموضوع ولا غيره .
تفسير الشعراوي — صفحة 8315
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٨٣١٥