تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3311

مساهمون:

ص٣٣١١
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا
( من الآية 118 سورة التوبة ) ماذا تعنى توبة اللّه عليهم ؟ سبحانه لن يتوب عليهم توبة القبول إلا بعد أن يتوبوا . إذن فتوبة اللّه عليهم الأولى هي التشريع لهم بالتوبة ، ثم توبتهم ، ثم قبول الحق للتوبة . لكن هؤلاء عموا وصموا ، وعلى الرغم من ذلك لطف اللّه بهم . فماذا حدث منهم بعد ذلك ؟ عموا وصموا مرة أخرى
« ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ » .
و « عموا » مأخوذة من الفعل « عمى » ، ومثلها مثل « أكلوا » و « شربوا » و « حضروا » ، فأين الفاعل ؟ الفاعل هو « واو الجماعة » . وابن مالك قعّد لهذه المسألة ، فساعة تسند الفعل إلى اثنين أو إلى جماعة ، فلا بد أن تجرد الفعل من علامة التثنية أو الجمع ، فلا تقول : « قاما زيد وعمرو » ولكن تقول : « قام زيد وعمرو » ، ولا نقول : « قاموا التلاميذ » بل نقول : « قام التلاميذ » ، لأن مدلول « الواو » هو مدلول « التلاميذ » ؛ قال ابن مالك :
وجرد الفعل إذا ما أسندا * لاثنين أو جمع ك « فاز الشهدا »
أي أن الفعل إذا أسند لمثنى أو مجموع وجب تجريده من العلامة التي تدل على التثنية أو على الجمع . أما كلمة كثير فتعرب إما على أنها البدل من واو الجماعة ، وإما على إضمار مبتدأ أي العمى والصّم كثير منهم ، وإما على أنها فاعل ويكون ذلك قد جاء على لغة طائفة من العرب وهم بنو الحارث بن كعب ، وهؤلاء قد يأتون بعلامة تدل على التثنية أو الجمع إذا أسند الفعل إلى اسم ظاهر مثنى أو مجموع مثل : قاموا الرجال وسافرا محمد وعلى . وحمل بعضهم قوله تعالى :
« وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا »
على هذا ، وكان قول الحق :
« كَثِيرٌ مِنْهُمْ »
صيانة للاحتمال بأن قلة منهم تدير أمر الإيمان في قلوبهم ، وكلمة « كثير » جاءت حتى ننتبه إلى أن الحق سبحانه وتعالى لا يهمل أبدا القلة التي تدير أمر الإيمان في خواطرهم . ليؤكد ويعاضد ما جاء في قوله تعالى :
« وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ »
.
« ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ »
و « بصير » مثلها مثل « عليم » ، أي شاهد وليس مع العين أين . ويقول الحق من بعد ذلك :
تفسير الشعراوي — صفحة 3311 | محمد متولي الشعراوي