إذن فوسائل الإدراك : سمع ، وبصر ، وفؤاد . وما تراه العين هو تجربة الإنسان بنفسه . أما ما يسمعه الإنسان فهو تجربة كل غير له . وبذلك يكون السمع أكثر اتساعا من العين . والسمع هو وسيلة الإدراك التي توجد أولا في الإنسان حين يولد . ونجد المولود لا يهتز عندما يقترب شئ من عينيه ؛ لأنه لا يرى بدقة وقد يستمر ذلك لمدة عشرة أيام ومن بعد ذلك يبدأ في الرؤية . لكن الطفل إذا سمع صوتا بجانب أذنيه ينفعل ، كأن حاسة السمع هي التي توجد أولا ، ولذلك يأتي لنا الحق بذكر السمع أولا ومن بعد ذلك الأبصار ثم الأفئدة .
« فَعَمُوا وَصَمُّوا »
وهو سبحانه يسألهم أولا عن التجربة الشخصية فيهم ، ولم يسألهم عن الذي سمعوه عن غيرهم فقط ، « فعموا » أي لم يروا حتى الأمور المتعلقة بهم ، ولم ينظروا في آيات الكون ولم يسمعوا البشير ولا النذير ولا المنهج من اللّه ولا اتفقوا على تنفيذه . وسبحانه يعاتبهم أولا على ما يتعلق برؤياهم هم ، فالأذن تسمع من الغير ؛ لذلك أخذ عليهم أولا أنهم لم يستعملوا عيونهم . وحتى لو افترضنا أنهم لم يروا آيات الكون بأنفسهم فما بالهم لا ينظرون وقد جاءهم الرسول ودعاهم لينظروا في كون اللّه وأن يعتبروا .
فإذا كانوا أولا في غفلة فلم يروا ، فلماذا لم ينتبهوا ويسمعوا سماع إذعان وانقياد عندما جاءهم البشير والنذير لينبههم ؛ لذلك
« فَعَمُوا وَصَمُّوا »
منطقية جدا هنا .
وبعد ذلك قبل اللّه منهم ، وأنجاهم من فرعون وفلق لهم البحر ، وعبروا ، ولكنهم بمجرد خروجهم من البحر ، ومروا على قوم يعكفون ويلزمون ويقبلون على أصنام لهم يعبدونها . قالوا لموسى : نريد إلها كما لهم آلهة . وأمرهم موسى أن يتوبوا وقبل اللّه توبتهم . مع كثرة ما ارتكبوا من ذنوب . ومن بعد ذلك يتوب اللّه عليهم .
« ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ » .
والتوبة هي فتح مجال للنفس السوية لتنطلق في الخير من جديد ، فلو لم يتب اللّه على من أذنب فماذا يكون موقف المذنب بلا توبة ؟ إنه يتمادى ويحس أنه ذاهب في طريق الشر بلا عودة . وحين يقبل الحق توبة المذنب ، فذلك معناه أنه سبحانه يريد أن يحمى المجتمع من شره . والتوبة مراحل : الأولى حين يشرع اللّه التوبة ، والثانية : أن يتوب العبيد . والثالثة : هي قبول اللّه للتوبة . وهذا ما جاء به الحق :