والخطأ الذي تمادوا فيه عندما قالوا :
لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً
( من الآية 80 سورة البقرة )
لقد ظنوا أن الحق سيعاقبهم فقط على عبادة العجل ولن يعاقبهم على أي شئ آخر . وكان هذا ظنا خاطئا . إن المنهج لم يأت لينجى أناسا بذواتهم مهما فعلوا ، ولكن المنهج جاء ليحاسب كل إنسان حسب ما عمل . ومن العجيب أنهم ظنوا الظن الخاطئ ولم يقوموا بحساب الأمر بحسابه الصحيح على الرغم من أنهم أهل تفوق في العد والحساب ، فالحساب هو الذي يضمن صحة أمر أو يكذبه . ومن العجيب أن من رحمة الحق بالخلق ساعة يؤاخذهم فهو يقول : لك كذا وعليك كذا . لكن ساعة يرزقهم فهو يرزقهم بغير حساب .
ولكنهم لم يلتفتوا إلى ذلك وقال عنهم الحق :
« وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ »
أي ظنوا أن ذلك الأمر لا اختبار فيه وأنهم غير محاسبين عليه . ونعرف أن « أن » تنصب الفعل .
وقال لي سائل : لقد سمعت قارىء القرآن في المذياع ينطقها
« وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ » .
وقلت له : إن هناك ثلاثة من أكابر القراء في صدر الإسلام هم : « أبو عمرو » و « حمزة » و « الكسائي » ، وكان لكل منهم أسلوب متميز . وعندما نعلم أن « أن » تنصب الفعل لا بد أن يكون الفعل الذي يليها لا يدل على العلم واليقين والتبين ، « فأن » بعد العلم لا تنصب ، كقوله الحق :
عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ
( من الآية 20 سورة المزمل )
وألفية ابن مالك تقول : ( وبلن انصبه وكي كذا بأن لا بعد علم ) . أما « أن » التي من بعد ظن فمن الممكن أن تنصب ومن الممكن أن يرفع الفعل بعدها ، فالذي رجح وجود الفعل وأدركه إدراكا راجحا يرفع ، والذي لم يكن لديه هذا الإدراك الراجح ينصب ، والرفع هو قراءة الكسائي وأبى عمرو وحمزة . فقد بنوا الأمر على أنّ الرجحان يقرب من اليقين . وما دام قد حدث ذلك تكون « أن » هنا هي « أن » المؤكدة ، لا « أن » الناصبة ويسمونها أن المخففة من الثقيلة فأصلها أنّ .
« وَحَسِبُوا